خطة الصين للسيطرة على التجارة العالمية: استغلال فراغ القوة

خطة الصين للسيطرة على التجارة العالمية: استغلال فراغ القوة

19.02.2026
9 mins read
تحلل المقالة استراتيجية الصين طويلة الأمد لإعادة تشكيل التجارة العالمية عبر اتفاقيات ضخمة، مستغلةً سياسات إدارة ترامب الانعزالية. هل تنجح بكين؟

في أعقاب فترة اتسمت بالاضطراب في المشهد التجاري العالمي، تسعى الصين بخطى حثيثة لاستغلال الفراغ الذي خلفته السياسات التجارية لإدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. لا يتعلق الأمر بردود فعل عفوية، بل بتنفيذ استراتيجية طويلة المدى ومدروسة بعناية، تهدف إلى إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي ووضع بكين في مركزه.

خلفية الصراع: الحرب التجارية والفراغ الاستراتيجي

شهدت فترة رئاسة ترامب تحولاً جذرياً في السياسة التجارية الأمريكية تحت شعار “أمريكا أولاً”، حيث فُرضت رسوم جمركية بمليارات الدولارات على السلع الصينية، مما أشعل حرباً تجارية شرسة بين أكبر اقتصادين في العالم. كان الانسحاب الأمريكي من “اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ” (TPP) في عام 2017 أحد أبرز تجليات هذه السياسة الانعزالية. المفارقة أن هذه الاتفاقية صُممت أساساً لاحتواء النفوذ الاقتصادي الصيني في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. هذا الانسحاب لم يترك فراغاً في القيادة فحسب، بل فتح الباب على مصراعيه أمام الصين لملئه، بل والسعي للانضمام إلى الاتفاقية ذاتها بعد تعديلها (CPTPP) لتحويل أداة كانت موجهة ضدها إلى وسيلة لتعزيز نفوذها.

شبكة من التحالفات: من الدفاع إلى الهجوم الناعم

انتقلت الدبلوماسية الصينية من موقف دفاعي إلى هجوم ناعم يهدف إلى نسج شبكة من التحالفات التجارية التي تعزز اقتصادها البالغ 19 تريليون دولار وتحصنه ضد أي ضغوط أمريكية مستقبلية. وكما أشار تقرير لوكالة “رويترز”، فإن هذه التحركات هي ثمرة سنوات من التخطيط والدراسة المنهجية في أعرق المؤسسات الأكاديمية الصينية. تتسارع وتيرة المفاوضات لإبرام ما يقرب من 20 اتفاقية تجارية جديدة، أبرزها:

  • الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP): أكبر تكتل تجاري في العالم يضم الصين و14 دولة أخرى في آسيا والمحيط الهادئ، ويمثل حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
  • الاتحاد الأوروبي: تسعى الصين لإبرام اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل قوة اقتصادية هائلة بناتج محلي إجمالي يناهز 18 تريليون دولار.
  • شراكات ثنائية: تم إبرام اتفاق مع كندا لخفض الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية، وإلغاء الرسوم الجمركية على واردات من 53 دولة أفريقية، مما يعزز مبادرة “الحزام والطريق” في القارة.

التحديات الداخلية والخارجية

لكن الطريق نحو الهيمنة ليس مفروشاً بالورود. يمثل الفائض التجاري الصيني الضخم، الذي بلغ 1.2 تريليون دولار في العام الماضي، التحدي الأكبر. فالدول التي تتودد إليها بكين تخشى من أن تسهيل وصول المصانع الصينية لأسواقها سيعني إغراقها بسلع منخفضة التكلفة، خاصة مع استمرار ضعف الطلب المحلي في الصين. ولكي تنجح هذه الاستراتيجية، تحتاج الصين إلى التحول من “مصنع العالم” إلى “مستهلك العالم”، وهو ما أكد عليه وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو، مشيراً إلى أن زيادة الواردات تمثل أولوية قصوى ضمن الخطة الخمسية الجديدة.

سباق مع الزمن

العامل الحاسم في هذه المعادلة هو الوقت. أمام الصين نافذة زمنية محدودة، قد لا تتجاوز ثلاث سنوات، لترسيخ هذه التحالفات قبل أن تعود إدارة أمريكية جديدة محتملة إلى سياسة بناء التحالفات لاحتواء الصين مجدداً. السؤال الذي يطرحه المراقبون هو: هل ستنجح بكين في إقناع العالم بجدية خطابها الجديد، أم أن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين ستستمر بصيغ مختلفة حتى بعد رحيل ترامب؟

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

أذهب إلىالأعلى