في تصعيد عسكري غير مسبوق ينذر بتغيرات جيوسياسية خطيرة في شرق آسيا، أطلقت الصين يوم الاثنين مناورات عسكرية واسعة النطاق حول جزيرة تايوان، أطلقت عليها اسم “مهمة العدالة 2025”. وتأتي هذه التحركات في ظل أجواء مشحونة بالتوتر، لا سيما بعد إبرام صفقة تسليح ضخمة بين الولايات المتحدة وتايوان، مما دفع بكين للتحذير من أن مضيق تايوان قد ينزلق نحو “وضع خطر لحرب وشيكة”.
تفاصيل المناورات والحصار العسكري
أعلنت القيادة الشرقية لجيش التحرير الشعبي الصيني عن نشر ترسانة عسكرية ضخمة تشمل مدمرات، فرقاطات، مقاتلات جوية، قاذفات استراتيجية، وطائرات مسيّرة. وبحسب البيان العسكري، فإن هذه القوات تجري “تدريبات بالذخيرة الحية” تستهدف مواقع بحرية حساسة شمال تايوان وجنوب غربها، مما يشكل طوقاً عسكرياً حول الجزيرة.
وحدد الجيش الصيني خمس مناطق محظورة تحيط بالجزيرة لإجراء نشاطات إطلاق نار حي، محذراً السفن والطائرات المدنية من الدخول إلى هذه المناطق لضمان السلامة، في خطوة تشبه الحصار البحري والجوي المؤقت.
السياق التاريخي وجذور الصراع
لفهم عمق هذا التصعيد، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للصراع الذي يعود إلى عام 1949، حين انتهت الحرب الأهلية الصينية بانسحاب القوميين إلى تايوان وتأسيس حكومة منفصلة، بينما سيطر الشيوعيون على البر الرئيسي. ومنذ ذلك الحين، تتبنى بكين مبدأ “الصين الواحدة”، معتبرة تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها يجب استعادته، ولو بالقوة العسكرية إذا لزم الأمر. في المقابل، تحظى تايوان بحكم ذاتي ودعم غربي، خاصة من الولايات المتحدة التي تلتزم بقانون العلاقات مع تايوان لتزويدها بوسائل الدفاع عن النفس.
الدور الأمريكي والياباني في إشعال الفتيل
جاءت المناورات الصينية كرد مباشر على صفقة أسلحة أميركية جديدة لتايبيه بقيمة 11.1 مليار دولار، وهي الثانية منذ عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، مما أثار غضب بكين التي ردت بفرض عقوبات على شركات دفاع أميركية. وفي سياق متصل، صعدت اليابان من لهجتها، حيث صرحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بأن استخدام القوة ضد تايوان قد يبرر رداً عسكرياً من طوكيو، وهو ما اعتبرته الصين تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية.
الاستجابة التايوانية والتداعيات الإقليمية
رداً على التحركات الصينية، أعلنت وزارة الدفاع التايوانية حالة الاستنفار القصوى، راصدةً 89 طائرة عسكرية و28 سفينة حربية صينية بالقرب من الجزيرة، وهو الرقم الأعلى منذ أكتوبر 2024. وقد أثرت هذه المناورات بشكل مباشر على الحياة المدنية، حيث تم إلغاء 74 رحلة طيران محلية.
ويرى مراقبون أن هذه التوترات لا تهدد أمن المنطقة فحسب، بل تشكل خطراً على الاقتصاد العالمي، نظراً لأهمية مضيق تايوان كشريان حيوي للتجارة الدولية، واحتضان تايوان لأكبر مصانع أشباه الموصلات في العالم، مما يعني أن أي نزاع مسلح قد يؤدي إلى شلل في سلاسل التوريد التكنولوجية العالمية.


