منذ انطلاق المشروع الرياضي الضخم في المملكة العربية السعودية، والذي دشنه انضمام الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو إلى نادي النصر في شتاء 2023، تحول دوري روشن للمحترفين إلى وجهة عالمية تجتذب أبرز نجوم الكرة الأوروبية. ومع توافد الأسماء الكبيرة مثل كريم بنزيما ونيمار وكانتي، برز تحدٍ فني وإداري كبير أمام المدربين: كيف يمكن إدارة هؤلاء النجوم الذين تجاوزوا ذروة عطائهم البدني، مع الحفاظ على تنافسية الفريق الجماعية؟
في هذا السياق، يظل النقاش محتدمًا بين نهجين مختلفين؛ نهج كريستيانو رونالدو في النصر، ونهج كريم بنزيما في الاتحاد. فبينما يبدو رونالدو أسير رغبته الجامحة في البقاء طوال 90 دقيقة داخل المستطيل الأخضر بحثًا عن تعزيز أرقامه القياسية التاريخية، سلك بنزيما مسارًا مغايرًا هذا الموسم تحت قيادة المدرب البرتغالي سيرجيو كونسيساو، الذي استطاع بقراراته الفنية الصارمة إعادة النجم الفرنسي إلى الواجهة ومنحه قبلة الحياة الكروية.
فلسفة كونسيساو: النجم بشر قبل أن يكون أسطورة
أولى خطوات التصحيح التي انتهجها كونسيساو كانت التعامل مع بنزيما كلاعب ضمن منظومة بشرية، وليس كأيقونة محصنة ضد التبديل. هذا التباين يظهر بوضوح عند مقارنته بما يحدث في النصر، حيث نادرًا ما يغادر رونالدو الملعب حتى في لحظات انخفاض المنسوب البدني. لقد اعتمد مدرب الاتحاد سياسة المداورة الذكية، حيث أصبح سحب بنزيما في الدقيقة 80 إجراءً وقائيًا وتكتيكيًا لحمايته من الإجهاد العضلي، مما يضمن جاهزيته الذهنية والبدنية للحظات الحسم في المباريات الكبرى.
التوظيف التكتيكي وتوزيع الأدوار
لم يكتفِ المدرب الفرنسي بإدارة الدقائق فحسب، بل منح بنزيما المفتاح الكامل للتحرك بحرية بين الخطوط، مع إمكانية النزول لوسط الملعب للمساهمة في بناء الهجمة، شريطة الالتزام بالواجبات الدفاعية والضغط العكسي. وبذلك، تحول بنزيما من مجرد هداف ينتظر الكرات داخل الصندوق إلى محرك رئيسي لمنظومة الاتحاد، مما أعاد التوازن التكتيكي للفريق الذي افتقده في الموسم الماضي.
علاوة على ذلك، كان للقرار الاستراتيجي بإشراك صالح الشهري بجانبه أو كبديل له أثر بالغ في تخفيف العبء البدني عن “الحكومة”. يتولى الشهري المهام الشاقة المتمثلة في الركض خلف المدافعين والالتحامات القوية، مما يفرغ بنزيما للإبداع واللمسة الأخيرة. هذا التكامل خلق شراكة هجومية فعالة تخدم مصلحة المجموعة.
الأثر المتوقع على المنافسة المحلية
إن فرض هيبة المجموعة وإلزام الجميع، كبارًا وصغارًا، ببذل أقصى جهد دون مجاملات، جعل مكانة بنزيما تعتمد على عطائه الآني لا على تاريخه في ريال مدريد. هذا التوازن النفسي والتكتيكي لم يُعد للنجم الفرنسي قوته فحسب، بل أرسل رسالة قوية لباقي أندية الدوري حول أهمية الإدارة الفنية الحازمة للنجوم. وفي ظل هذا التفوق الاتحادي في إدارة الموارد البشرية، قد يجد النصر نفسه مطالبًا بمراجعة استراتيجية الاعتماد الكلي على رونالدو طوال دقائق اللعب، لضمان الاستمرارية في المنافسة على الألقاب المحلية والقارية.


