تدخل بطولة كأس الأمم الأفريقية 2025 منعطفاً تاريخياً حاسماً بداية من اليوم السبت، مع انطلاق صافرة الأدوار الإقصائية التي تمثل مرحلة «كسر العظم» كروياً. هذه المرحلة لا تعترف بأنصاف الحلول ولا تمنح مجالاً للتعويض، فالمواجهات باتت بنظام خروج المغلوب، حيث يستمر الفائز في رحلة البحث عن اللقب القاري الأغلى، بينما يحزم الخاسر حقائبه مودعاً البطولة مبكراً.
ومع إسدال الستار على منافسات دور المجموعات المثير، كشفت البطولة عن مفارقة إحصائية لافتة وغير مسبوقة بهذا الزخم، حيث خطفت الأهداف العكسية – أو ما يُعرف في عالم الساحرة المستديرة بـ«النيران الصديقة» – الأنظار، متصدرة مشهد الهدافين في ظاهرة تستدعي التوقف والتحليل الفني والرقمي.
صراع الهدافين.. الأهداف العكسية في الصدارة
على صعيد الأرقام الفردية للنجوم، يتقاسم صدارة ترتيب الهدافين الرسميين كل من النجمين المغربيين أيوب الكعبي وإبراهيم دياز، بالإضافة إلى قائد المنتخب الجزائري رياض محرز، حيث نجح كل منهم في زيارة الشباك ثلاث مرات خلال دور المجموعات. ورغم القيمة الفنية الكبيرة لهؤلاء النجوم، إلا أن أرقامهم لم تكن الأعلى في البطولة حتى الآن.
المفاجأة الكبرى تكمن في تفوق الأهداف المسجلة بالخطأ في المرمى على أهداف النجوم، حيث بلغت حصيلة «النيران الصديقة» أربعة أهداف، لتتربع على عرش الهدافين كأكثر «لاعب» تسجيلاً للأهداف في النسخة الحالية.
التسلسل الزمني لظاهرة النيران الصديقة
بدأت قصة الأهداف العكسية في هذه النسخة يوم 28 ديسمبر/كانون الأول، خلال الجولة الثانية، حينما سجل ساول كوكو، مدافع غينيا الاستوائية، هدفاً بالخطأ في مرمى فريقه أمام السودان. ولم يمضِ وقت طويل حتى لحق به الإيفواري غيسلان كونان، مانحاً الكاميرون هدية مجانية، لتستمر السلسلة بهدف الجنوب أفريقي أوبري موديبا في شباك بلاده لصالح زيمبابوي. واختتم الموزمبيقي نيني هذه السلسلة في دور المجموعات بهدف عكسي تحت ضغط داني ناماسو، ليعزز رصيد الكاميرون.
سياق تاريخي وتطور تكتيكي
عند النظر إلى تاريخ بطولة كأس الأمم الأفريقية، نجد أن الأهداف العكسية كانت حاضرة ولكن ليس بهذه الكثافة في الأدوار الأولى. برقمها الحالي، عادلت نسخة 2025 إجمالي الأهداف العكسية المسجلة في نسختي 2019 و2023 كامليتن (4 أهداف)، وتجاوزت نسخة 2021 (3 أهداف). الفارق الجوهري هو أن نسخة 2025 حققت هذا الرقم مع نهاية دور المجموعات فقط، مما ينذر برقم قياسي جديد مع تبقي 16 مباراة حاسمة.
ويرجع محللون هذه الظاهرة إلى عدة عوامل تكتيكية ونفسية، أبرزها:
- تطور أساليب الضغط العالي: تعتمد المنتخبات الأفريقية حديثاً على الضغط المتقدم، مما يجبر المدافعين على ارتكاب الأخطاء في مناطق خطرة.
- بناء اللعب من الخلف: محاولة المدافعين تمرير الكرة تحت الضغط بدلاً من تشتيتها يزيد من احتمالية الخطأ وتوجيه الكرة نحو الشباك.
- الضغط النفسي: مع تطور مستوى المنتخبات وتقارب المستويات، يزداد العبء الذهني على المدافعين، مما يقلل من التركيز في اللحظات الحاسمة.
ظاهرة عالمية تتجاوز حدود القارة السمراء
لا يمكن عزل ما يحدث في أفريقيا عن المشهد الكروي العالمي. فقد تحولت الأهداف العكسية إلى «هداف» بارز في البطولات الكبرى مؤخراً. شهدت كأس أمم أوروبا (اليورو) تصدر النيران الصديقة لقائمة الهدافين في آخر نسختين بواقع 11 هدفاً في يورو 2020 و10 أهداف في يورو 2024. أما في كأس العالم، فكانت نسخة 2018 استثناءً صارخاً بتسجيل 12 هدفاً عكسياً، بينما عادت الأمور لطبيعتها في مونديال 2022 بهدفين فقط.
هل تحسم النيران الصديقة اللقب؟
مع دخول البطولة مراحل خروج المغلوب، يرتفع نسق المباريات وتصبح الأخطاء الدفاعية ممنوعة، لكنها في الوقت ذاته أكثر كلفة. يبقى السؤال المفتوح: هل ستنجح الأهداف العكسية وللمرة الأولى في تاريخ «الكان» في إنهاء البطولة بصفتها الهداف الأول؟ الإجابة ستكشفها الملاحم الكروية القادمة في طريق التتويج باللقب القاري.


