أكدت الدكتورة نورة الرشود، عضو هيئة التدريس بكلية الدراسات القضائية والأنظمة بجامعة أم القرى، في تصريح خاص لصحيفة “اليوم”، أن التعليم ليس مجرد تلقين للمعرفة، بل هو أداة استراتيجية فعالة لبناء ثقافة التسامح. وأوضحت أن المؤسسات التعليمية تلعب دوراً محورياً في مواجهة خطاب الكراهية بمختلف أشكاله، سواء كان دينياً أو ثقافياً، مما يسهم في تعزيز التفاهم والتعايش السلمي بين شعوب العالم.
الجذور التاريخية والجهود الأممية للحد من التعصب
على مر التاريخ، عانت البشرية من ويلات التعصب والتمييز التي أدت إلى صراعات مدمرة، مما جعل المجتمع الدولي يدرك تدريجياً خطورة هذه الظواهر وتأثيرها السلبي على استقرار الأمم. وفي العصر الحديث، تبلور هذا الإدراك من خلال المواثيق الدولية، حيث تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، بينما تحظر المادة الثانية التمييز بكافة أشكاله. وتماشياً مع هذا السياق التاريخي والقانوني، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات حاسمة، أبرزها القرار رقم 76 – 254 الذي أعلن يوم 15 مارس يوماً دولياً لمكافحة كراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا). كما تم اعتماد 18 يونيو يوماً عالمياً لمكافحة خطابات الكراهية، مما يؤكد ضرورة اتخاذ تدابير وقائية ومؤسسية لحماية السلم الاجتماعي والتعايش الإنساني.
أهمية المناهج الدراسية في مواجهة خطاب الكراهية
تعتبر المناهج التعليمية خط الدفاع الأول في مواجهة خطاب الكراهية، حيث تمثل وسيلة وقائية طويلة المدى لمعالجة الأسباب الجذرية للتعصب. وتؤكد تقارير منظمة اليونسكو والأمم المتحدة أن إدماج قيم التعددية الثقافية والتسامح في النظم التعليمية يسهم بشكل مباشر في بناء مجتمعات أكثر استقراراً وانفتاحاً. إن التعليم التفاعلي والتبادل الأكاديمي بين الثقافات المختلفة أثبتا فاعليتهما في تفكيك الصور النمطية السلبية، وتزويد الأفراد بالمهارات اللازمة للتعامل مع الاختلافات الدينية والثقافية بعقلية إيجابية متفتحة، خاصة في ظل التنامي الملحوظ لظاهرة الإسلاموفوبيا في بعض السياقات السياسية والإعلامية الغربية.
تحديات التعليم العالي في العالم الإسلامي ومقترح “إيراسموس الإسلامي”
على الرغم من الأهمية البالغة للتعليم، يواجه العالم الإسلامي تحديات ملحوظة في قطاع التعليم العالي، منها تفاوت جودة المخرجات التعليمية بين الدول، وضعف التنسيق المشترك بين الجامعات، فضلاً عن تأثير الانقسامات السياسية التي تضعف التكامل العلمي. ولمعالجة هذه الفجوة، اقترحت الدكتورة الرشود إطلاق مبادرة أكاديمية دولية تحت اسم “إيراسموس الإسلامي”، مستلهمة من نجاح برنامج “إيراسموس” الأوروبي الذي عزز الهوية الأوروبية المشتركة عبر تسهيل تنقل ملايين الطلاب والباحثين. يهدف هذا المقترح إلى إنشاء شبكة تعليمية مشتركة بين جامعات الدول الإسلامية، لتعزيز الهوية الحضارية القائمة على قيم العدل واحترام التنوع، مع ضرورة إنشاء منصة إلكترونية موحدة لتسهيل إجراءات المشاركة واعتماد إطار إسلامي موحد للمؤهلات الأكاديمية.
التأثير الإقليمي والدولي لجهود المملكة في نشر التسامح
إن تبني استراتيجيات تعليمية شاملة يحمل تأثيراً عميقاً يمتد من المستوى المحلي إلى الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى المحلي، يخلق بيئة مجتمعية متلاحمة، وإقليمياً يقلل من حدة التوترات، أما دولياً فيعزز من صورة التعايش السلمي. وفي هذا الصدد، تبرز المملكة العربية السعودية كقوة فاعلة ومؤثرة في دعم مبادرات الحوار بين الثقافات والأديان. وتماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تؤكد على بناء مجتمع حيوي معتدل، أسست المملكة مؤسسات عالمية رائدة مثل مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومركز “اعتدال” لمكافحة الفكر المتطرف، ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. هذه الجهود المؤسسية تشكل أرضية صلبة لدعم المبادرات التعليمية، وتؤكد أن التعليم عندما يتحول إلى جسر للتواصل، فإنه يصبح قوة حضارية قادرة على بناء مستقبل عالمي يسوده التعاون والسلام.


