في ظل تصاعد التوترات والحشود العسكرية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتزايد حدة اللهجة بين واشنطن وطهران، يرسم خبراء الاقتصاد العالمي سيناريوهات قاتمة لأي مواجهة عسكرية محتملة. التحذيرات تتوالى من أن تبعات حرب في هذه المنطقة الحيوية لن تقتصر على أطرافها، بل ستمتد لتضرب الاقتصاد العالمي في الصميم، مرسلة موجات صدمة من مضيق هرمز إلى جيوب المستهلكين وأسواق المال العالمية.
خلفية تاريخية من التوتر المستمر
العلاقات الأمريكية الإيرانية لم تصل إلى هذه الدرجة من التوتر فجأة، بل هي نتاج عقود من العداء بدأت مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. ورغم فترات من التهدئة، أبرزها التوصل إلى الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرضها لعقوبات اقتصادية قاسية تحت سياسة “الضغط الأقصى”، أعاد التوترات إلى ذروتها، ووضع المنطقة على حافة مواجهة خطيرة.
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في مرمى النيران
يكمن الخطر الأكبر في مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو ثلث إجمالي صادرات النفط البحرية في العالم، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال والألومنيوم والنحاس. يضيق هذا الممر عند أضيق نقطة له إلى 54 كيلومترًا فقط بين السواحل الإيرانية وشبه جزيرة مسندم العمانية، مع غياب بدائل حقيقية لإعادة توجيه هذه الإمدادات الضخمة. أي إغلاق للمضيق، حتى لو كان مؤقتًا، يعني ارتفاعًا فوريًا في أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل أو أكثر، مع تبعات تمتد لأسواق الغاز العالمية، مما يخلق أزمة طاقة عالمية.
صدمة ثلاثية: انكماش ونفط وتضخم
تشير تقديرات الخبراء إلى أن أي زيادة مستدامة في أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 20% و30% سيكون لها تأثير خطير على الاقتصاد العالمي. يتمثل هذا التأثير في انكماش النمو العالمي بنسبة تتراوح بين 0.5% و1%، وارتفاع التضخم بنسبة مماثلة. هذا المزيج السام يعيد شبح “الركود التضخمي” إلى الواجهة، وهو سيناريو تكافح فيه البنوك المركزية بين رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم أو خفضها لتحفيز النمو. فضلاً عن ذلك، من المتوقع أن تشهد أسواق الأسهم اضطرابًا عنيفًا مع تقلبات حادة في القطاعات المرتبطة بالطاقة.
الملاذات الآمنة تلمع في سماء الحرب
في سيناريو التصعيد، يتوقع الخبراء موجة شرسة من الطلب على الأصول الآمنة. سيلجأ المستثمرون إلى الملاذات التقليدية كالذهب والفضة، مما قد يدفع أسعارهما إلى مستويات قياسية. في المقابل، مع ارتفاع توقعات التضخم وتباطؤ النمو، ستشهد أسواق السندات الحكومية تقلبات حادة، حيث من المتوقع أن يصبح منحنى العائد أكثر حدة مع ترقب البنوك المركزية لمشهد اقتصادي يزداد تعقيدًا.
إيران في مأزق: “انتحار اقتصادي” محتمل
يرى المحللون أن أي إجراء إيراني في مضيق هرمز سيكون بمثابة “انتحار اقتصادي” لطهران نفسها. فإغلاق المضيق يعني وقف صادراتها النفطية بالكامل، والقضاء على المصدر الرئيسي لدخل النظام الإيراني الذي يعاني بالفعل من وطأة العقوبات. تنتج إيران نحو 4% من إمدادات النفط العالمية، بواقع 3.5 ملايين برميل يوميًا، معظمها يتجه للأسواق الآسيوية وفي مقدمتها الصين، وأي تعطيل لهذه الصادرات سيوجه ضربة قاصمة لاقتصادها المترنح.
السيناريو الأكثر ترجيحًا: دبلوماسية على حافة الهاوية
رغم التصعيد العسكري والخطابي، لا يزال السيناريو الأساسي الذي يراهن عليه الخبراء هو التوصل لتسوية دبلوماسية تجنب المنطقة والعالم حربًا مدمرة. يستندون في ذلك إلى هدوء الأسواق المالية النسبي حتى الآن، والتي لم تسعر بالكامل مخاطر التصعيد. لكن التحذير الأكبر يبقى قائمًا، حيث أن أي خطأ في الحسابات بين الطرفين قد يشعل شرارة أزمة تمتد من الخليج إلى جيوب المستهلكين في كل أنحاء العالم.


