يُعد مهرجان التمور بمحافظة دومة الجندل نافذة فريدة يطل منها الزوار على تاريخ طويل وعميق يربط الإنسان بشجرة النخيل وثمارها المباركة. لا يقتصر المهرجان على كونه سوقًا تجاريًا، بل هو محطة ثقافية غنية تستعرض كيف شكلت التمور ركيزة أساسية للأمن الغذائي والاقتصادي لسكان شبه الجزيرة العربية على مر العصور، وكيف تجذرت أهميتها في النصوص الدينية من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
خلفية تاريخية: دومة الجندل مهد الحضارات
تقع دومة الجندل في منطقة الجوف، وهي واحدة من أقدم الواحات والمستوطنات البشرية في شبه الجزيرة العربية، حيث يعود تاريخها إلى آلاف السنين. كانت المدينة محطة استراتيجية على طرق التجارة القديمة، ما جعلها مركزًا للتبادل الثقافي والاقتصادي. وفي قلب هذه الحضارة، كانت زراعة النخيل شريان الحياة الذي ضمن للسكان مصدرًا غذائيًا دائمًا وغنيًا بالطاقة، خاصة في بيئة صحراوية قاسية. هذا الإرث التاريخي العظيم هو ما يسعى المهرجان إلى إحيائه وتسليط الضوء عليه، ليقدم للجيل الجديد صورة حية عن حياة الأجداد واعتمادهم على هذه الشجرة المباركة.
متحف التمور: رحلة في ذاكرة التراث
يبرز متحف التمور، كأحد أهم أجنحة المهرجان، حيث يأخذ الزائر في رحلة تعليمية وتفاعلية. يعرض المتحف من خلال لوحات مرئية ومعروضات حية مواطن ذكر النخيل والتمور في القرآن الكريم والسنة النبوية، مؤكدًا على مكانتها الروحية. كما يستعرض الأدوات التقليدية التي ابتكرها الأجداد ببراعة لحفظ التمور وتخزينها لفترات طويلة، مثل “الخابية” الفخارية، و”الشنة” المصنوعة من جلد الأغنام، و”الجصة” وهي غرفة طينية صغيرة لحفظ التمر واستخلاص الدبس. بالإضافة إلى ذلك، يتعرف الزوار على أدوات الكيل والوزن القديمة كـ”الصاع” و”المكيال”، ويتعلمون عن المسميات المختلفة لأجزاء النخلة واستخداماتها المتعددة في صناعة الأدوات المنزلية ومواد البناء، مما يوضح كيف كانت النخلة مصدرًا متكاملًا للحياة.
الأهمية الاقتصادية والتأثير المجتمعي
على الصعيد المحلي، يلعب المهرجان دورًا حيويًا في دعم المزارعين المحليين، حيث يوفر لهم منصة مثالية لتسويق منتجاتهم، وعلى رأسها “حلوة الجوف”، أحد أشهر أنواع التمور في المملكة. يساهم الحدث في تحفيز الدورة الاقتصادية بالمحافظة، وخلق فرص عمل موسمية، وجذب السياحة الداخلية. أما على المستوى الوطني، فيتوافق المهرجان مع أهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز القطاع الزراعي، والاحتفاء بالتراث الثقافي الغني للمملكة. كما يسهم في ترسيخ مكانة المملكة كأحد أكبر منتجي ومصدري التمور في العالم، ويعزز من قيمة هذا المنتج الوطني على الساحة الدولية.


