تحول تاريخي في الأسواق المالية
في تحول لافت قد يعيد تشكيل استراتيجيات الاستثمار العالمية، كشف تقرير حديث صادر عن “دويتشه بنك” الألماني أن الدولار الأمريكي بدأ يفقد مكانته الاستثنائية كـ”ملاذ آمن” رئيسي في أوقات الاضطرابات الاقتصادية. وأوضح التقرير أن العلاقة العكسية التقليدية، التي كانت تربط بين قوة الدولار وضعف أسواق الأسهم الأمريكية، تشهد تغيراً جذرياً. ففي السابق، كان المستثمرون يهرعون لشراء الدولار عند تراجع الأسهم للتحوط من المخاطر، لكن هذه القاعدة لم تعد ثابتة.
خلفية هيمنة الدولار وتآكلها
تاريخياً، ترسخت هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي منذ اتفاقية “بريتون وودز” عام 1944، والتي جعلته عملة الاحتياطي الأولى في العالم. وعلى مدى عقود، كان الاستقرار النسبي للاقتصاد الأمريكي وسيولة أسواقه المالية يجعلان من الدولار أصلاً لا غنى عنه للمستثمرين والبنوك المركزية على حد سواء. إلا أن التقرير يشير إلى أن هذه “الاستثنائية الأمريكية” تواجه تحديات غير مسبوقة، حيث أصبحت الصدمات السلبية تنبع من داخل الولايات المتحدة نفسها، مما يضعف جاذبية عملتها كأداة تحوط.
الذكاء الاصطناعي: محرك نمو ومصدر خطر
يرجع جورج سارافيلوس، رئيس أبحاث العملات في البنك، هذا التحول بشكل كبير إلى الطفرة الهائلة في أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي. فبينما تقود هذه الأسهم مؤشرات النمو، أدت في الوقت نفسه إلى تركيز شديد للمخاطر داخل السوق الأمريكية. ويشير سارافيلوس إلى أن هذا التركيز يجعل السوق الأمريكية “سوقاً عالية المخاطر”، مذكراً بما حدث إبان انفجار “فقاعة الدوت كوم” عام 2002، حينما أدى انهيار أسهم التكنولوجيا إلى تراجع الدولار والأسهم معاً. ومع ضخ استثمارات تقدر بنحو 700 مليار دولار في هذا القطاع دون عوائد مضمونة حتى الآن، تتزايد المخاوف من تكرار سيناريو مماثل.
التأثيرات العالمية والبحث عن بدائل واعدة
إن فقدان الدولار لمكانته كأصل تحوط له تداعيات واسعة على الصعيد الدولي. فالمستثمرون ومديرو المحافظ الاستثمارية مضطرون الآن لإعادة تقييم استراتيجياتهم والبحث عن بدائل أكثر موثوقية. ويوضح التقرير أن الأسواق العالمية بدأت بالفعل تتجه نحو عملات أخرى أظهرت جاذبية متزايدة، مثل الدولار الأسترالي، والعملات الاسكندنافية، وعملات الأسواق الناشئة التي تتمتع بأساسيات اقتصادية قوية. هذا التحول قد يدفع البنوك المركزية حول العالم إلى تسريع وتيرة تنويع احتياطياتها من النقد الأجنبي بعيداً عن الدولار، مما قد يؤثر على مكانته على المدى الطويل.
عوامل سياسية تزيد من الضغوط
لا تقتصر التحديات على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشمل العوامل السياسية. فالسياسات الحمائية، مثل الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، ساهمت في زيادة حالة عدم اليقين وأدت إلى موجات بيع للأصول الأمريكية. ويتوقع التقرير أن استمرار مثل هذه السياسات قد يؤدي إلى مزيد من تراجع قيمة الدولار، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية خسارته 9.4% في عام 2025، واستمرار تراجعه بنسبة 1.4% خلال العام الجاري، مما يعزز فكرة أن عصر تفوق الدولار المطلق قد يكون في طريقه إلى الأفول.


