في تصعيد جديد للتوتر الدبلوماسي بين الحليفين التقليديين، أكدت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، وجود خلاف جوهري وعميق مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن وضع جزيرة جرينلاند. وجاءت هذه التصريحات القوية لتكشف أن رغبة واشنطن في بسط نفوذها أو السيطرة على الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي لم تتراجع، وذلك عقب اجتماع ثلاثي عُقد في البيت الأبيض ضم مسؤولين من الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند.
فشل المحادثات في البيت الأبيض
على الرغم من الاتفاق الظاهري على تشكيل "مجموعة عمل" مشتركة، إلا أن فريدريكسن قللت من أهمية هذه الخطوة، مشيرة بوضوح إلى أن الجوهر الخلافي لا يزال قائماً. وصرحت في بيان رسمي قائلة: "هذا لا يغيّر شيئًا من وجود خلاف جوهري بينهما، لأن الطموح الأمريكي في السيطرة على جرينلاند يبقى دون تغيير". ووصفت المسألة بأنها "خطيرة"، مؤكدة استمرار الجهود الدنماركية لمنع تحول هذا السيناريو إلى واقع ملموس.
من جانبه، كان وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن، أكثر صراحة في وصفه لمخرجات الاجتماع، حيث أكد الفشل في تغيير القناعات الأمريكية. وقال راسموسن: "لم نتمكن من تغيير الموقف الأمريكي، من الواضح أن الرئيس لديه رغبة في غزو جرينلاند، وقد أوضحنا جيدًا أن هذا ليس في مصلحة المملكة"، مشدداً على عدم وجود أي مبرر قانوني أو سياسي يسمح لواشنطن بالاستيلاء على الجزيرة القطبية.
الأهمية الاستراتيجية: لماذا تريد واشنطن جرينلاند؟
لفهم هذا الإصرار الأمريكي، يجب النظر إلى الموقع الجيوسياسي لجرينلاند. تعد الجزيرة بوابة حيوية للقطب الشمالي، وتمتلك أهمية عسكرية قصوى للأمن القومي الأمريكي. تحتضن الجزيرة قاعدة "ثول" الجوية (Thule Air Base)، وهي أقصى قاعدة عسكرية أمريكية في الشمال، وتحتوي على رادارات إنذار مبكر ضرورية للكشف عن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. بالإضافة إلى ذلك، مع ذوبان الجليد، تبرز جرينلاند كمركز غني بالموارد الطبيعية والمعادن النادرة، فضلاً عن كونها نقطة تحكم في ممرات الشحن الجديدة المحتملة، مما يجعلها ساحة تنافس دولي كبرى بين القوى العظمى بما فيها الصين وروسيا.
تاريخ من المحاولات الأمريكية
الرغبة الأمريكية في الاستحواذ على جرينلاند ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لجذور تاريخية عميقة. ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان على الدنمارك شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار من الذهب، وهو العرض الذي قوبل بالرفض حينها. كما أن الولايات المتحدة نظرت تاريخياً إلى المنطقة كجزء من نطاقها الأمني الحيوي منذ مبدأ مونرو، وتعتبر شراء ألاسكا في القرن التاسع عشر سابقة للتوسع في المناطق القطبية.
تعزيزات عسكرية وتوتر داخل الناتو
رداً على هذه الضغوط، أعلنت الدنمارك عن خطوات عملية لترسيخ سيادتها، تمثلت في الدفع بتعزيزات عسكرية إلى جرينلاند. وقد تعهدت دول أوروبية حليفة بإرسال بعثات عسكرية لدعم كوبنهاجن، في إشارة إلى تضامن أوروبي ضد أي تغيير أحادي للوضع القائم.
وأكدت فريدريكسن وجود توافق داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) على أهمية تعزيز الوجود العسكري في الدائرة القطبية الشمالية لضمان الأمن الأوروبي والأمريكي الشمالي على حد سواء، لكن تحت مظلة السيادة الدنماركية. واختتمت تصريحاتها بالإشارة إلى أن "الدنمارك استثمرت بشكل مهم في هذه القدرات القطبية الجديدة"، موجهة الشكر للدول الحليفة التي تشارك حالياً في مناورات مشتركة لتأكيد هذا الموقف.


