أكد نائب وزير الخارجية الكوبي، كارلوس فرنانديز دي كوسيو، أن هافانا تضع قواتها المسلحة في حالة تأهب قصوى تحسباً لاحتمال وقوع عدوان عسكري أمريكي. وفي مقابلة متلفزة بُثت عبر شبكة “إن بي سي” الأمريكية، أوضح دي كوسيو أن الجيش الكوبي يستعد بشكل جدي لهذه السيناريوهات، مشيراً إلى أن حكومة بلاده لا تسعى إلى تأزيم العلاقات مع الولايات المتحدة أو إثارة نزاع مباشر مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، بل تفضل اللجوء إلى الحوار الدبلوماسي.
جذور الصراع وتاريخ التهديدات بين واشنطن وهافانا
لم تكن التوترات الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الصراع الأيديولوجي والسياسي بين البلدين. منذ نجاح الثورة الكوبية واستيلاء النظام الشيوعي على السلطة في عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو، فرضت واشنطن حصاراً اقتصادياً خانقاً على الجزيرة. وقد بلغت التوترات ذروتها في عام 1961 عندما فشلت الولايات المتحدة في الإطاحة بالنظام الكوبي من خلال عملية “خليج الخنازير” الشهيرة. هذا الإرث التاريخي المعقد يجعل من أي تلميح بوقوع عمل عسكري أمراً يؤخذ ببالغ الجدية في الأوساط الكوبية، حيث لا تزال الذاكرة السياسية تحتفظ بتفاصيل تلك الحقبة المتوترة التي كادت أن تشعل حرباً عالمية ثالثة خلال أزمة الصواريخ الكوبية.
الجاهزية الدفاعية في مواجهة أي عدوان عسكري أمريكي
وفي سياق متصل، شدد دي كوسيو على أن “الجيش الكوبي على أهبة الاستعداد دائماً”، مضيفاً أنه في ضوء التطورات العالمية المتسارعة، سيكون من السذاجة عدم التحضير لاحتمال حدوث عدوان عسكري أمريكي. وعلى الرغم من هذه الاستعدادات الدفاعية الصارمة، أعرب المسؤول الكوبي عن أمله في ألا تتجه الأمور نحو التصعيد العسكري، مؤكداً أنه لا يوجد مبرر منطقي أو قانوني لشن هجوم على بلاده. وأضاف: “كوبا لا ترغب في الدخول في نزاع مسلح مع الولايات المتحدة. لدينا حاجة مشروعة لحماية سيادتنا وأنفسنا، ولنا الحق الكامل في ذلك، لكننا في الوقت ذاته منفتحون ومستعدون للجلوس إلى طاولة الحوار لحل الخلافات بالطرق السلمية”.
التداعيات الإقليمية والدولية لتصاعد التوتر
يحمل هذا التصعيد في التصريحات أهمية كبرى وتأثيرات واسعة النطاق تتجاوز الحدود المحلية لكوبا. على الصعيد الإقليمي، تزيد هذه التوترات من حالة عدم الاستقرار في أمريكا اللاتينية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها واشنطن على حلفاء هافانا، وفي مقدمتهم فنزويلا. فقد كثفت الإدارة الأمريكية من عقوباتها وحظرها لتوريد المحروقات إلى كوبا، في محاولة للضغط على النظام الكوبي لفك ارتباطه بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. أما على الصعيد الدولي، فإن أي تحرك عسكري أو تصعيد خطير قد يثير حفيظة قوى كبرى أخرى مثل روسيا والصين، اللتين تمتلكان علاقات استراتيجية وتاريخية مع هافانا، مما قد يعيد رسم خريطة التحالفات الجيوسياسية ويزيد من تعقيد المشهد الدولي.
تصريحات ترامب ومستقبل العلاقات الثنائية
تأتي هذه التطورات في وقت أطلق فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات مثيرة للجدل، حيث أعرب عن اعتقاده بأنه سيحظى بـ “شرف الاستيلاء على كوبا” وتحدث عن “تحريرها”، دون أن يقدم تفاصيل دقيقة حول طبيعة هذه الخطوات أو آلياتها. هذه التصريحات زادت من حدة الترقب والحذر في هافانا، ودفعت القيادة الكوبية إلى تعزيز تدابيرها الأمنية والدفاعية. في النهاية، يبقى مستقبل العلاقات بين واشنطن وهافانا مرهوناً بمدى قدرة الطرفين على تغليب لغة العقل والدبلوماسية وتجنب الانزلاق نحو مواجهات كارثية قد تكلف المنطقة بأسرها ثمناً باهظاً.


