أعلن الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، عن نجاته من محاولة اغتيال كانت تستهدفه، وذلك بعد أن اضطرت المروحية التي تقله إلى تغيير مسارها بشكل مفاجئ لتجنب هجوم محتمل. وقع الحادث ليل الإثنين، حيث تعذر على المروحية الرئاسية الهبوط في وجهتها المحددة على الساحل الكاريبي بسبب مخاوف أمنية جدية من وجود مسلحين كانوا يخططون لإطلاق النار عليها.
وفي تصريحات أدلى بها خلال اجتماع حكومي تم بثه على الهواء مباشرة، كشف بيترو عن تفاصيل اللحظات الحرجة قائلاً: “اتجهنا إلى عرض البحر لأربع ساعات ووصلت إلى مكان لم نكن ننوي الذهاب إليه، هرباً من التعرض للقتل”. وأضاف أن هذا التهديد يأتي في سياق تحذيرات استخباراتية وردته منذ أشهر حول مؤامرة مزعومة يدبرها مهربو مخدرات لاغتياله، مما يضع الحادث في إطار الصراع المستمر بين الدولة والجماعات الإجرامية المنظمة.
سياق تاريخي من العنف السياسي
تأتي محاولة الاغتيال هذه لتسلط الضوء مجدداً على المناخ الأمني الهش في كولومبيا، وهي دولة عانت لعقود طويلة من صراع مسلح داخلي معقد شاركت فيه حركات تمرد يسارية، وقوات شبه عسكرية يمينية، وعصابات مخدرات نافذة. ورغم توقيع اتفاق سلام تاريخي مع حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) في عام 2016، لا تزال البلاد تواجه تحديات أمنية كبيرة من جماعات مسلحة أخرى مثل جيش التحرير الوطني (ELN) وعصابات إجرامية كبرى مثل “عشيرة الخليج” التي تسيطر على مساحات واسعة وتدير عمليات تهريب المخدرات والاتجار بالبشر.
أهمية الحادث وتأثيره المتوقع
تكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة بالنظر إلى هوية الرئيس المستهدف. فغوستافو بيترو، أول رئيس يساري في تاريخ كولومبيا الحديث وعضو سابق في حركة التمرد M-19، يتبنى سياسة “السلام الشامل” (Paz Total) التي تهدف إلى إنهاء الصراع بشكل كامل عبر التفاوض مع كافة الجماعات المسلحة المتبقية. هذا النهج، رغم شعبيته لدى فئات واسعة، يواجه معارضة شرسة من قوى محافظة ومن جماعات إجرامية ترى في مفاوضات السلام تهديداً لمصالحها الاقتصادية القائمة على الأنشطة غير المشروعة.
على الصعيد المحلي، يمثل هذا التهديد المباشر لحياة الرئيس تصعيداً خطيراً يزيد من الاستقطاب السياسي ويضع استراتيجية حكومته الأمنية تحت المجهر. كما أنه يبعث برسالة ترهيب واضحة من قبل الشبكات الإجرامية، مفادها أنها قادرة على الوصول إلى أعلى هرم في السلطة، مما قد يؤثر على معنويات قوات الأمن والمواطنين على حد سواء.
إقليمياً ودولياً، يُنظر إلى استقرار كولومبيا باعتباره ركيزة أساسية لأمن منطقة الأنديز. أي محاولة لزعزعة استقرارها عبر استهداف رئيس الدولة تثير قلقاً بالغاً لدى الدول المجاورة والشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذين استثمروا بكثافة في عملية السلام ومكافحة المخدرات. إن نجاة الرئيس بيترو تبعث برسالة طمأنة مؤقتة، لكنها تظل تذكيراً صارخاً بأن الطريق نحو سلام دائم في كولومبيا لا يزال محفوفاً بالمخاطر والتحديات الجسيمة.


