شهدت منطقة الأمازون في جنوب كولومبيا تصعيداً أمنياً خطيراً، حيث قُتل ما لا يقل عن 27 شخصاً في اشتباكات مسلحة عنيفة اندلعت بين مجموعتين يساريتين متنافستين، وفقاً لما أكدته مصادر عسكرية رسمية لوكالة فرانس برس يوم الأحد. وتدور هذه المعارك الطاحنة في مقاطعة غوافياري الاستراتيجية بين فصيلين انشقا عن "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك)، الحركة المتمردة السابقة التي وقعت اتفاق سلام تاريخي مع الحكومة في عام 2016.
صراع النفوذ والسيطرة الميدانية
أفادت التقارير الميدانية بأن القتال يدور بين فصيل يقوده "إيفان مورديسكو"، الذي يُعد أحد أبرز المطلوبين للسلطات الكولومبية، ومجموعة أخرى يتزعمها قائد يُعرف باسمه الحركي "كالاركا". وأظهر مقطع فيديو اطلع عليه الجيش جثثاً لأكثر من 20 مقاتلاً يرتدون زياً عسكرياً ملقاة على طريق ترابي، مما يعكس ضراوة المعارك. وأوضح الجيش في بيان له أن الدافع الرئيسي خلف هذه المواجهات هو الصراع على النفوذ للسيطرة على طرق تهريب المخدرات، ومناطق التعدين غير القانوني، وعمليات الابتزاز التي تدر عوائد مالية ضخمة في تلك المنطقة النائية.
خلفية تاريخية: ما بعد اتفاق 2016
لفهم سياق هذا الحدث، يجب العودة إلى عام 2016، حين وقعت الحكومة الكولومبية اتفاق سلام تاريخي مع قيادة "فارك" لإنهاء نزاع مسلح استمر لأكثر من خمسة عقود وراح ضحيته مئات الآلاف. ورغم تسريح آلاف المقاتلين، رفضت بعض الفصائل – التي تُعرف حالياً بـ "المنشقين" – إلقاء السلاح، معتبرة أن الاتفاق لم يحقق الضمانات الكافية، أو رغبة منها في الاستمرار بالأنشطة الاقتصادية غير المشروعة.
وقد تكتلت هذه المجموعات المنشقة في البداية، لكنها سرعان ما انقسمت على نفسها بسبب خلافات حول القيادة وتقاسم العوائد المالية من تجارة الكوكايين والتعدين، مما حول الصراع من حرب أيديولوجية ضد الدولة إلى حروب عصابات داخلية للسيطرة على الموارد.
تحديات سياسة "السلام الشامل"
يأتي هذا التصعيد ليشكل ضربة لجهود الرئيس الكولومبي اليساري غوستافو بيترو، الذي تبنى منذ توليه السلطة سياسة "السلام الشامل" (Paz Total)، والتي تهدف إلى التفاوض مع كافة الجماعات المسلحة المتبقية في البلاد لإنهاء دوامة العنف. وكان "مورديسكو" قد انخرط سابقاً في محادثات سلام مع حكومة بيترو، إلا أنه انسحب منها في عام 2024 وكثف هجماته ضد المدنيين وقوات الأمن، في حين لا تزال المجموعة التي يقودها "كالاركا" تجري محادثات متقطعة مع الحكومة.
التأثير الإقليمي والبيئي
لا تقتصر خطورة هذه الاشتباكات على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً بيئية وإقليمية. فمنطقة الأمازون التي تدور فيها المعارك تعتبر رئة العالم، وتتعرض لدمار منهجي بسبب زراعة الكوكا والتعدين غير القانوني الذي تمارسه هذه الجماعات لتمويل عملياتها. كما أن استمرار الفوضى في الجنوب الكولومبي يهدد استقرار المناطق الحدودية مع الدول المجاورة، مما يجعل من القضاء على هذه البؤر المتوترة أولوية قصوى للأمن القومي الكولومبي والإقليمي.


