أكد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، خلال استقباله أمين مجلس الأمن الروسي، سيرغي شويغو، في بكين، أن العلاقات الثنائية بين البلدين تسير نحو “آفاق جديدة”، مما يعكس مرحلة متقدمة من التعاون الاستراتيجي في مواجهة النظام العالمي المتغير. يأتي هذا اللقاء في سياق تعزيز بكين وموسكو لتعاونهما الاقتصادي والدبلوماسي بشكل ملحوظ خلال الأعوام الأخيرة، وهي شراكة ازدادت عمقاً ورسوخاً عقب بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا مطلع عام 2022.
خلفية تاريخية لشراكة استراتيجية
لم تكن العلاقات الصينية الروسية وليدة اللحظة، بل هي نتاج تطور تاريخي طويل بدأ منذ تفكك الاتحاد السوفيتي. شهدت العلاقات تحولاً جذرياً من التنافس الحذر إلى الشراكة الوثيقة، وتوجت بتوقيع “معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي” في عام 2001، التي أرست الأساس القانوني والسياسي لتعاونهما طويل الأمد. قبل أسابيع قليلة من بدء الحرب في أوكرانيا، أعلن الرئيسان شي جين بينغ وفلاديمير بوتين عن شراكة “بلا حدود”، مؤكدين عدم وجود مجالات “محظورة” للتعاون بينهما، وهو ما شكل إعلاناً واضحاً عن طموحهما المشترك لإعادة تشكيل النظام العالمي.
الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية للتحالف
على الصعيد الاقتصادي، أصبحت الصين شرياناً حيوياً لروسيا في مواجهة العقوبات الغربية. ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى مستويات قياسية، حيث تستورد الصين كميات هائلة من الطاقة الروسية (النفط والغاز)، بينما تصدر إلى روسيا السيارات والإلكترونيات والآلات الصناعية، مما ساعد موسكو على تخفيف أثر العزلة الاقتصادية. من جانبه، شدد وانغ يي خلال لقائه مع شويغو على أهمية العمل المشترك للحفاظ على “عالم متعدد الأقطاب متكافئ ومنتظم” في زمن “الاضطراب”، وهو ما يعكس رؤيتهما المشتركة لكسر الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة.
التأثير الإقليمي والدولي
يمتد تأثير هذا التحالف إلى ما هو أبعد من العلاقات الثنائية. ففي المحافل الدولية مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومنظمات مثل “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”، تنسق بكين وموسكو مواقفهما بشكل وثيق لمعارضة السياسات الغربية. هذا التقارب يثير قلق الدول الغربية التي ترى فيه تحدياً مباشراً للنظام الليبرالي الدولي القائم منذ نهاية الحرب الباردة. وفيما تؤكد الصين رسمياً على موقفها المحايد من النزاع في أوكرانيا وأنها لا تقدم مساعدات عسكرية لأي طرف، إلا أن دعمها الدبلوماسي والاقتصادي لموسكو يعتبر عاملاً أساسياً في استمرار روسيا في مواجهة الضغوط الدولية، مما يجعل هذا التحالف محوراً رئيسياً في رسم ملامح الجغرافيا السياسية العالمية في القرن الحادي والعشرين.


