في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعميق العلاقات الاقتصادية مع القارة الإفريقية، أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ عن قرار بلاده إلغاء الرسوم الجمركية على 98% من المنتجات المستوردة من معظم الدول الإفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية ببكين. ويدخل هذا القرار حيز التنفيذ اعتبارًا من الأول من مايو، ليشكل علامة فارقة في مسار التعاون الصيني الإفريقي المتنامي.
خلفية تاريخية وسياق اقتصادي
تأتي هذه المبادرة تتويجًا لعقود من الشراكة المتصاعدة بين الصين وإفريقيا، والتي بدأت تأخذ طابعًا مؤسسيًا مع انطلاق “منتدى التعاون الصيني الإفريقي” (FOCAC) في عام 2000. وقد تحولت العلاقات من مجرد دعم سياسي إلى شراكة اقتصادية شاملة، حيث أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لإفريقيا منذ عام 2009. وتندرج هذه الخطوة ضمن التزامات سابقة تعهدت بها بكين خلال قمم المنتدى، والتي تهدف إلى دعم التصنيع والتنمية المستدامة في القارة. قبل هذا القرار، كانت الصين تطبق بالفعل سياسة إعفاء جمركي على واردات 33 دولة إفريقية من الأقل نموًا، إلا أن الإعلان الجديد يوسع نطاق هذه المعاملة التفضيلية لتشمل 53 دولة إفريقية تقيم علاقات دبلوماسية معها.
الأهمية الاقتصادية والتأثير المتوقع
من المتوقع أن يكون لهذا القرار تأثير إيجابي كبير على الاقتصادات الإفريقية. فعلى المستوى المحلي، سيمنح الإعفاء الجمركي المنتجات الإفريقية، خاصة الزراعية والمواد الخام المصنعة، ميزة تنافسية كبيرة في السوق الصيني الضخم، مما قد يحفز الصادرات ويدعم الميزان التجاري لهذه الدول. كما يشجع القرار على تنويع الاقتصادات الإفريقية بعيدًا عن الاعتماد على تصدير المواد الخام فقط، ويدعم نمو الصناعات التحويلية الصغيرة والمتوسطة. أما على المستوى الإقليمي، فيمكن أن يعزز القرار التكامل الاقتصادي داخل القارة، خاصة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، من خلال فتح أسواق جديدة للمنتجات المصنعة إفريقيًا.
الأبعاد الجيوسياسية ومبادرة الحزام والطريق
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن الأبعاد الجيوسياسية الأوسع، فهي تعزز من نفوذ الصين كقوة اقتصادية عالمية وشريك رئيسي لدول الجنوب. كما أنها تأتي في سياق مبادرة “الحزام والطريق” الطموحة، التي تهدف الصين من خلالها إلى بناء شبكة عالمية من البنية التحتية والتجارة. ويُعد إلغاء الرسوم الجمركية أداة فعالة لتعزيز التدفقات التجارية على طول هذه المسارات الجديدة. الاستثناء الوحيد من هذا القرار هو مملكة إسواتيني، وهي الدولة الإفريقية الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان. يؤكد هذا الاستثناء على تمسك بكين الصارم بمبدأ “صين واحدة” واستخدامها للأدوات الاقتصادية لتعزيز مواقفها السياسية على الساحة الدولية.
وبهذا، لا يمثل قرار الإعفاء الجمركي مجرد سياسة تجارية، بل هو رسالة سياسية واقتصادية قوية تعكس رؤية الصين طويلة الأمد لعلاقاتها مع إفريقيا كشريك استراتيجي في نظام عالمي متغير.


