تصاعدت المخاوف الدولية مؤخراً بشأن سلامة محطة تشيرنوبيل النووية في أوكرانيا، وذلك في أعقاب تحذيرات شديدة اللهجة أطلقها مدير المنشأة، سيرغي تاراكانوف، من احتمالية وقوع كارثة إشعاعية جديدة في حال تعرض الموقع لضربات عسكرية روسية مباشرة. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا استهدافاً مستمراً، مما يضع العالم أمام سيناريوهات قاتمة تعيد للأذهان مأساة عام 1986.
خطر انهيار الملجأ الواقي
أكد تاراكانوف في تصريحات لوكالة فرانس برس أن أي ضربة صاروخية مباشرة، أو حتى سقوط صاروخ من طراز "إسكندر" في محيط المحطة، قد يتسبب في إحداث "زلزال صغير" في المنطقة، مما يهدد استقرار الملجأ المضاد للإشعاعات. وأوضح المسؤول الأوكراني أن الخطر الأكبر يكمن في عدم وجود ضمانات لبقاء الملجأ قائماً بعد مثل هذا الهجوم، مما قد يؤدي إلى انهيار الهياكل الداخلية وانتشار الغبار المشع.
وتجدر الإشارة إلى أن المحطة النووية المتوقفة عن العمل حالياً، محمية بهيكل داخلي من الفولاذ والخرسانة تم تشييده بشكل عاجل عقب الكارثة التاريخية، بالإضافة إلى غلاف خارجي حديث ومتطور يُعرف بـ "عازل الأمان الجديد" (NSC)، والذي صُمم ليكون حاجزاً منيعاً ضد التسربات الإشعاعية لقرن من الزمان.
السياق التاريخي: شبح كارثة 1986
لفهم حجم المخاطر الحالية، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للموقع. ففي 26 أبريل 1986، شهد المفاعل رقم 4 في محطة تشيرنوبيل أسوأ كارثة نووية في تاريخ البشرية، حيث أدى انفجار المفاعل إلى انطلاق سحابة مشعة غطت أجزاء واسعة من أوروبا. ومنذ ذلك الحين، بذل المجتمع الدولي جهوداً جبارة وتكاليف باهظة لتأمين الموقع، توجت ببناء القوس الفولاذي العملاق (عازل الأمان الجديد) الذي غطى المفاعل المنكوب بالكامل.
أضرار حديثة وتقييم الوكالة الدولية
كشف مدير المحطة أن الغلاف الخارجي تعرض بالفعل لأضرار جسيمة إثر هجوم بطائرة مسيرة روسية في فبراير الماضي، مما تسبب في حريق ضخم أتى على التكسية الخارجية للهيكل الفولاذي. وأشار إلى أن العازل "خسر الكثير من مهامه الرئيسية"، مقدراً الفترة اللازمة لإعادة الخصائص الأمنية للعازل بنحو ثلاث إلى أربع سنوات.
من جانبها، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير لها مطلع الشهر الجاري، بعد إرسال بعثة تفتيش، أن الملجأ فقد بعض مهامه الأمنية الأساسية، وتحديداً قدراته العازلة، رغم تأكيدها عدم وجود أضرار دائمة في الهيكليات الداعمة أو أنظمة المراقبة الأساسية حتى الآن.
تداعيات إقليمية ودولية
لا تقتصر خطورة الوضع في تشيرنوبيل على الداخل الأوكراني فحسب، بل تمتد لتشكل تهديداً للأمن البيئي والصحي في أوروبا والجوار الإقليمي. فأي تسرب إشعاعي كبير لن يعترف بالحدود الجغرافية، وقد تترتب عليه عواقب صحية وبيئية طويلة الأمد.
يذكر أن القوات الروسية كانت قد سيطرت على المحطة في بداية الغزو عام 2022 قبل أن تنسحب منها لاحقاً، إلا أن استمرار العمليات العسكرية والقصف الجوي يبقي المنطقة في دائرة الخطر الدائم. ورغم تأكيدات الإدارة بأن مستويات الإشعاع لا تزال "مستقرة وفي الحدود المعتادة" حالياً، إلا أن هشاشة الوضع الأمني تجعل من تشيرنوبيل قنبلة موقوتة تتطلب حذراً دولياً بالغاً.


