خطف فن الدحة الأنظار بقوة خلال فعاليات عيد الفطر المبارك التي أُقيمت ضمن احتفالات منطقة الحدود الشمالية، بتنظيم وإشراف من أمانة المنطقة في المركز الحضاري بمدينة عرعر. وقد شكل هذا العرض التراثي الفني لوحة فنية نابضة بالحياة، أعادت إحياء أحد أبرز الموروثات الشعبية التي تعتز بها المنطقة، وذلك وسط حضور جماهيري غفير وتفاعل لافت من الزوار الذين توافدوا للاستمتاع بأجواء العيد السعيدة.
جذور فن الدحة وتاريخه العريق
يُعد فن الدحة من الفنون الشعبية القديمة ذات الطابع الحماسي الأصيل، والذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ شبه الجزيرة العربية. تاريخياً، كانت “الدحة” تُؤدى في ساحات المعارك والحروب بهدف بث الرهبة والرعب في نفوس الأعداء، أو للاحتفال بتحقيق النصر وعودة الفرسان. ومع مرور الزمن، تحول هذا الفن من رقصة حرب إلى أيقونة للفرح والاحتفال في المناسبات السعيدة والأعياد وحفلات الزفاف. وتقوم فكرة هذا الفن على أهازيج جماعية وإيقاعات صوتية وحركية قوية، حيث يصطف المشاركون في صفوف متقابلة أو نصف دائرية، ويتوسطهم شاعر يُعرف بـ “المصنع” أو “الشاعر”، يرددون خلفه الأبيات بأسلوب تفاعلي منظم يعتمد على التصفيق المتناغم وإصدار أصوات تشبه زئير الأسود أو هدير الجمال، مما يعكس شجاعة وقوة أبناء البادية.
أهمية إحياء التراث وتأثيره الثقافي
إن الحفاظ على الموروثات الشعبية مثل هذا الفن لا يقتصر على مجرد الترفيه، بل يحمل أبعاداً ثقافية واجتماعية عميقة. على الصعيد المحلي، يسهم إبراز هذه الفنون في ربط الأجيال الشابة بجذورهم الثقافية، ويعزز من قيم الفخر والاعتزاز بالهوية الوطنية. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن تقديم هذه العروض التراثية في المهرجانات الكبرى يمثل نافذة مهمة لتعريف العالم بثراء الثقافة السعودية وتنوعها الفريد، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تؤكد على أهمية إبراز الهوية الوطنية وحفظ التراث الثقافي كقوة ناعمة وجزء من الجذب السياحي.
تنوع ترفيهي في احتفالات الحدود الشمالية
إلى جانب العروض التراثية، شهدت الفعاليات باقة متنوعة من البرامج التي جمعت بين الترفيه والتثقيف. فقد قُدمت العرضة السعودية التي حظيت بتفاعل واسع من الحضور، بالإضافة إلى عروض ألعاب الخفة، وفقرات الفرق الاستعراضية، وعروض موسيقية أضفت أجواءً من البهجة والسرور. كما تضمن البرنامج تقديم أوبريت وطني بعنوان “شمال العز”، والذي جسد الهوية الثقافية لمنطقة الحدود الشمالية بأسلوب فني راقٍ، إلى جانب إقامة حفلة غنائية استقطبت أعداداً كبيرة من الزوار وأسهمت في تعزيز أجواء الفرح.
جهود مستمرة لتعزيز جودة الحياة
صاحبت الفعاليات مجموعة من المناطق الترفيهية والخدمية التي لبت احتياجات مختلف الفئات العمرية، من بينها “قرية الطفل” المخصصة للصغار، و”قرية التحديات” للكبار، إضافة إلى منطقة متكاملة للمطاعم والمقاهي، مما وفر تجربة ترفيهية متكاملة للزوار. وتأتي هذه الفعاليات في إطار جهود أمانة منطقة الحدود الشمالية المستمرة لتعزيز جودة الحياة، وإثراء المشهد الترفيهي، وإدخال البهجة على سكان المنطقة وزوارها خلال أيام عيد الفطر، مع التركيز الدائم على إبراز الموروث الثقافي وتعزيز حضوره في كافة المناسبات الوطنية والاجتماعية.


