مقدمة: منصة عالمية لمواجهة التحديات الاقتصادية
في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للمملكة العربية السعودية على الساحة الاقتصادية العالمية، استضافت مدينة العلا التاريخية النسخة الثانية من “مؤتمر اقتصادات الأسواق الناشئة”، والذي نُظم بشراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي. وفي ختام أعمال المؤتمر التي جرت يومي 8 و9 فبراير 2024، صدر بيان مشترك عن معالي وزير المالية الأستاذ محمد الجدعان، والسيدة كريستالينا غورغييفا، المدير العام لصندوق النقد الدولي، ليرسم ملامح رؤية موحدة لمستقبل هذه الاقتصادات الحيوية.
السياق العالمي وأهمية المؤتمر
يأتي انعقاد المؤتمر في ظل مشهد اقتصادي عالمي معقد يتسم بحالة من عدم اليقين، حيث تواجه الأسواق الناشئة تحديات متعددة بدءًا من التعافي المتباين بعد جائحة كوفيد-19، مرورًا بالتوترات الجيوسياسية، وصولًا إلى التحولات السريعة في أنماط التجارة العالمية والتطورات التكنولوجية المتسارعة كالذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، يوفر المؤتمر منصة حيوية لصناع السياسات والخبراء من مختلف أنحاء العالم لتبادل الخبرات وتنسيق الجهود، بهدف بناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود وتحقيق نمو مستدام وشامل.
الرسالة الأولى: أساس الصمود يكمن في السياسات السليمة والحوكمة الرشيدة
أكد البيان المشترك أن الركيزة الأساسية لتعزيز صمود الاقتصادات في عالم معرض للصدمات تكمن في تبني سياسات اقتصادية كلية ومالية سليمة. ويشمل ذلك الحفاظ على استقرار الأسعار، وضبط أوضاع المالية العامة، وضمان استقرار القطاع المالي. وأشار البيان إلى أن هذه السياسات يجب أن تكون مدعومة بمؤسسات قوية وحوكمة فعّالة، حيث أثبتت تجارب العديد من الأسواق الناشئة أن وجود أطر سياسات موثوقة وتطوير مؤسسي راسخ يساهم بشكل مباشر في تحقيق نتائج أفضل على صعيد التضخم، والاستقرار المالي، والقدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية حتى في أصعب الظروف.
الرسالة الثانية: الانتقال من الاستقرار إلى النمو المستدام عبر الإصلاحات الهيكلية
مع تحسن الاستقرار الاقتصادي، شددت الرسالة الثانية على ضرورة انتقال الأسواق الناشئة إلى مرحلة جديدة من الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تحقيق نمو أعلى وأكثر استدامة وتوفير فرص عمل جديدة. ويعد إطلاق إمكانات القطاع الخاص عنصرًا محوريًا في هذا المسار، وذلك عبر تعميق الأسواق المالية، وتقليل العوائق أمام ريادة الأعمال والاستثمار، وتسخير التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي. ويتطلب ذلك استثمارات استراتيجية في البنية التحتية الرقمية وتزويد الشباب بالمهارات اللازمة للازدهار في سوق العمل العالمي المتغير، وهو ما يتماشى مع رؤى تحولية مثل رؤية السعودية 2030.
الرسالة الثالثة: التكامل الإقليمي كقوة دافعة للنمو في عالم متغير
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها أنماط التجارة والاستثمار العالمية، أبرزت الرسالة الثالثة أن تعميق التكامل داخل الأقاليم وفيما بينها يوفر فرصًا واعدة ومهمة. فتمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي لا يساهمان فقط في بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة، بل يخلقان أيضًا أسواقًا أوسع للشركات المحلية ويجذبان المزيد من الاستثمارات الأجنبية. ويظل هذان الأمران أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير، مما يعزز من قدرتها التنافسية ويفتح آفاقًا جديدة للنمو.
الأثر المتوقع: تعزيز صوت الأسواق الناشئة عالميًا
يؤكد المؤتمر بنسخته الثانية أهمية وجود منتدى عالمي مخصص يركز على التحديات والفرص والتطلعات المشتركة لاقتصادات الأسواق الناشئة. وقد أعرب كل من وزير المالية السعودي ومديرة صندوق النقد الدولي عن تقديرهما لالتزام هذه الاقتصادات بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، مع التطلع إلى مواصلة هذه المناقشات البناءة في النسخ المقبلة من المؤتمر.


