إحياء أيقونة التراث في مهرجان البشت الحساوي
في قلب واحة الأحساء، وضمن فعاليات “مهرجان البشت الحساوي” الذي تحتضنه هيئة التراث في قصر إبراهيم التاريخي، يبرز جناح “بيت الدفة” كشاهد حي على عراقة الزي النسائي التقليدي في المنطقة. يستعرض الجناح تاريخ “الدفة”، وهو الاسم التراثي للعباءة النسائية الأحسائية، مسلطاً الضوء على أربعة أنواع نادرة منها، لتتحول من مجرد زي شعبي إلى أيقونة ثقافية تعكس الهوية الوطنية وأصالة الماضي.
يشهد المهرجان في نسخته الثالثة إقبالاً كبيراً، خاصة من النساء اللواتي توافدن للتعرف عن كثب على تفاصيل حياكة “الدفة النسائية”، التي لا تقل في جودتها ودقتها عن البشت الرجالي الشهير، مما يؤكد على المكانة العالية لهذه الحرفة اليدوية التي توارثتها الأجيال.
خلفية تاريخية لصناعة الدفة في الأحساء
تتمتع الأحساء بتاريخ طويل كمركز رئيسي لصناعة النسيج الفاخر في شبه الجزيرة العربية. وقد اشتهرت منذ القدم بحياكة البشوت الرجالية التي يرتديها الملوك والأمراء والوجهاء، وبنفس المهارة والدقة، برع الحرفيون في صناعة “الدفة” النسائية. ويوضح الباحث والمتخصص في البشت الحساوي، محمد الأمير، أن الحرفيين الذين أتقنوا حياكة البشت هم أنفسهم من صاغوا تفاصيل الدفة، مما منحها جودة وقيمة تضاهي نظيرها الرجالي. وكانت الأحساء لا تكتفي بتلبية الطلب المحلي، بل كانت تصدر هذه العباءات الفاخرة إلى دول الجوار ومختلف مناطق المملكة.
أنواع الدفة النادرة وتصنيفها الاجتماعي
كشف الأمير عن التصنيف الاجتماعي والطبقي الذي كانت تعكسه أنواع الدفة المختلفة، والتي تشمل أربعة أنواع رئيسية:
- المزوية: مصنوعة من الصوف المحلي الغليظ، وكانت مخصصة لنساء البادية وذوي الدخل المحدود. تميزت بطولها المفرط لضمان استدامتها وتوارثها من الأم لابنتها.
- الجُناح: زي الأسر الميسورة والمخصص للاستخدام اليومي، يُحاك من الحرير صيفاً والصوف الناعم شتاءً، ويزين بخيوط الزري والقصب ليعكس الرفاه الاقتصادي.
- السويعية: عباءة المناسبات الخاصة التي ترتديها عائلات العروسين، واشتق اسمها من ارتدائها لساعات محددة فقط، وتتميز بزخارفها الدقيقة.
- الماهود: وهو النوع الرابع والأفخم على الإطلاق، حيث كان يمثل فستان زفاف العروس ليلة زفافها. اختفى هذا الزي تدريجياً منذ أكثر من 60 عاماً مع انتشار فستان الزفاف الأبيض.
“الماهود”: تحفة فنية وقيمة إنسانية
يُعد “الماهود” درة التاج بين أنواع الدفة، حيث كانت قيمته قديماً تعادل تكلفة أربعة بشوت رجالية فاخرة، نظراً لكثافة خيوط الزري (الذهب) المستخدمة في تطريزه. ولم تقتصر قيمته على الجانب المادي، بل حمل بعداً إنسانياً عميقاً، إذ جسد صور التكافل الاجتماعي في الأحياء القديمة “الفريج”، حيث كان يتم تداوله وإعارته بين الجيران وبنات الحي ليرتدينه في أفراحهن، مما يخفف العبء المادي ويعزز الترابط المجتمعي.
جهود معاصرة لإحياء التراث
مع تزايد الاهتمام بالهوية الوطنية ضمن رؤية المملكة 2030، نشطت الجهود لإعادة إحياء هذه الحرف التراثية. وقد بادرت جمعيات مثل “الآثار والتراث” بالمنطقة الشرقية إلى إقامة دورات متخصصة في إنتاج الأزياء التراثية، والتي شهدت إقبالاً كبيراً. وفي هذا السياق، أوضحت أفنان القحطاني، مديرة العلاقات العامة لمصنع “الماهود” التابع لجمعية فتاة الأحساء، أن المصنع يمثل إحدى مبادرات أرامكو السعودية لدعم الحرف اليدوية. وأكدت أن المصنع نجح في استلهام ثقافة البشت النسائي القديم وتقديم “الماهود” بصورة مبتكرة أخف وزناً وأكثر دقة، لتناسب ذائقة الجيل الحالي دون المساس بهويته الأصلية العريقة.


