تُعد قصة فريق الخليج لكرة اليد واحدة من أعظم القصص الملهمة في تاريخ الرياضة السعودية. ففي الوقت الذي تعتمد فيه الرياضة الحديثة بشكل كبير على الميزانيات الضخمة والاستثمارات الهائلة، أثبت هذا الفريق العريق أن الشغف والانتماء يمكن أن يتفوقا على لغة المال. لقد نجح أبناء مدينة سيهات في تحويل هذه اللعبة إلى هوية وثقافة تتوارثها الأجيال، ليظل النادي رقماً صعباً في معادلة البطولات المحلية والقارية.
السياق التاريخي: أندية الدخل المحدود وتحدي الكبار
بالعودة إلى الوراء، وتحديداً قبل حوالي أربعة عقود، كانت أندية الدخل المحدود ذات الإمكانات البسيطة قادرة على تحقيق إنجازات مذهلة ومقارعة الأندية الثرية والجماهيرية. كانت تلك الأندية تُعد على أصابع اليد الواحدة؛ ففي كرة السلة، برز نادي أحد كقوة ضاربة، وفي الكرة الطائرة، كان نادي المحيط هو الأبرز، رغم الحضور الجيد لناديي الصفا والترجي. وحتى في السلة، تواجد الأنصار والخليج، لكنهما لم يحققا نفس الهيمنة التي حققها أحد.
أما في كرة اليد، فقد كان الوضع مختلفاً تماماً. فقد برز الخليج بإمكاناته المتواضعة كمنافس شرس وعنيد لـ “يد الأهلي”، الذي كان يُعد في ذلك الوقت النادي الأشهر والأكثر تتويجاً في مختلف الألعاب والدرجات. ومع مرور الزمن، لم تصمد معظم أندية الدخل المحدود أمام الأندية الكبرى التي امتلكت الثروة، الجمهور، والآلة الإعلامية. غادر أحد والأنصار ساحة المنافسة الحقيقية في السلة، وتراجع المحيط في الطائرة، وهو تطور طبيعي في عالم الرياضة الذي بات يعتمد على الانتقالات والمغريات المالية.
شغف مدينة سيهات: علاقة استثنائية تتجاوز كرة القدم
رغم التغيرات الجذرية في الخارطة الرياضية، اختلفت المعادلة تماماً في لعبة كرة اليد. تراجع الأهلي واختفى الهلال والاتحاد من المشهد التنافسي، بينما استمرت قبضة الخليج في الواجهة. وحتى في الفترات التي ابتعد فيها الفريق عن منصات التتويج، ظل متواجداً بقوة في المراكز الأولى، مما مهد لعودته الكاسحة في العقد الأخير ليسيطر على الألقاب ويصبح السفير الأقوى لكرة اليد السعودية في المحافل الخارجية.
إن حكاية هذا النادي أشبه بقصة عشق أبدية بين كيان ومدينة. جماهير سيهات تتنفس كرة اليد؛ تفرح لاعتلاء فريقها المنصات، وتحزن بشدة لأي تعثر. ولعل الموقف الأبرز الذي يجسد هذا الشغف حدث قبل عامين، عندما حقق فريق كرة القدم بنادي الخليج انتصاراً تاريخياً في دوري روشن على نادي الهلال، حارماً إياه من مواصلة سلسلة انتصاراته القياسية. ورغم التغطية الإعلامية العالمية لهذا الفوز، كانت مدينة سيهات تعيش ليلة حزينة! السبب؟ في نفس الليلة، خسر فريق كرة اليد نهائي البطولة الآسيوية أمام الشارقة الإماراتي في الدوحة، مما أثبت أن كرة اليد هي النبض الحقيقي للمدينة.
تأثير إنجازات فريق الخليج لكرة اليد محلياً وإقليمياً
لم تقتصر أهمية بطولات فريق الخليج لكرة اليد على الجانب المحلي فحسب، بل امتد تأثيرها ليعزز مكانة الرياضة السعودية على المستويين الإقليمي والدولي. فمن خلال المشاركات المستمرة في البطولات الآسيوية وبطولة العالم للأندية (سوبر جلوب)، ساهم النادي في رفع تصنيف كرة اليد السعودية، وأثبت أن الاستثمار في المواهب المحلية وتأسيس قاعدة جماهيرية صلبة يمكن أن يثمر عن نجاحات مستدامة. لقد أصبحت الدورات الرمضانية في سيهات المخصصة لكرة اليد تحظى بحضور جماهيري يفوق بعض مباريات كرة القدم، مما يعكس تجذر اللعبة في المجتمع.
الهيمنة الحالية وحصد الألقاب
ومؤخراً، توجت هذه المسيرة المظفرة بتحقيق لقب بطولة الدوري الممتاز لكرة اليد قبل نهاية المسابقة بعدة جولات. هذا الإنجاز يمثل اللقب الرابع على التوالي، والرقم 13 في تاريخ خزائن النادي على مستوى الدوري. ومع هذه الهيمنة المطلقة، تتجه الترشيحات بقوة لصالح “الدانة” لضم كأس النخبة إلى جانب لقب الدوري هذا الموسم، لتستمر المقولة الخالدة: قبضة الخليج.. حكاية مجد لا تنتهي.


