أكد وزير المالية السعودي، الأستاذ محمد الجدعان، أن منظومات الاستثمار الجريء الراسخة في الاقتصادات المتقدمة أثبتت فعاليتها كأداة حيوية لتمكين هذه الدول من تجاوز التحديات الاقتصادية المعقدة، وهو ما قد تعجز عن مواجهته الأسواق الناشئة التي تفتقر إلى مثل هذه الآليات. جاءت تصريحاته خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات “مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة”، حيث سلط الضوء على الفوارق الجوهرية في المرونة الاقتصادية بين الدول.
وأوضح الجدعان أن العديد من المتاعب التي تواجهها الأسواق الناشئة اليوم، مثل تباطؤ النمو والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل، هي ذاتها التي مرت بها الاقتصادات المتقدمة في مراحل سابقة. إلا أن الفارق يكمن في قدرة الأخيرة على بناء منظومات مالية واستثمارية قوية، يأتي في مقدمتها قطاع الاستثمار الجريء، الذي نجح في توفير التمويل اللازم للابتكار والشركات الناشئة عالية النمو، مما خلق محركات اقتصادية جديدة وعزز من قدرتها على التكيف.
السياق العام: رؤية 2030 ودعم الاستثمار الجريء
تأتي هذه التصريحات في سياق جهود المملكة العربية السعودية الحثيثة، ضمن إطار رؤية 2030، لتطوير بيئة استثمارية جاذبة وتحويل الاقتصاد من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والابتكار. ويعد الاستثمار الجريء (Venture Capital) أحد الركائز الأساسية في هذه الاستراتيجية، حيث يعمل على تمويل الشركات التقنية الناشئة التي تمتلك القدرة على إحداث تغيير جذري في مختلف القطاعات مثل التكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي.
ولتحقيق ذلك، أطلقت المملكة مبادرات استراتيجية، أبرزها تأسيس “الشركة السعودية للاستثمار الجريء” (SVC) في عام 2018، والتي تهدف إلى تحفيز نمو هذا القطاع من خلال الاستثمار في الصناديق وتوفير التمويل للشركات الناشئة، مما ساهم في جعل المملكة واحدة من أسرع أسواق الاستثمار الجريء نمواً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
الأهمية والتأثير المتوقع للاستثمار الجريء
على الصعيد المحلي، يساهم التركيز على الاستثمار الجريء في خلق وظائف نوعية للشباب السعودي، وتشجيع ريادة الأعمال، وتوطين التقنيات المتقدمة. كما أنه يعزز من تنافسية الاقتصاد السعودي على الساحة العالمية ويجذب رؤوس الأموال والمواهب الأجنبية. وأشار الجدعان إلى أن بناء قواعد مالية متينة لا يقتصر على الميزانية العامة والإنفاق الحكومي، بل يمتد ليشمل تمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في التنمية، وهو ما يدعم تحقيق الاستدامة المالية على المدى الطويل.
إقليمياً ودولياً، فإن نجاح التجربة السعودية في بناء منظومة استثمار جريء قوية يقدم نموذجاً ملهماً للأسواق الناشئة الأخرى التي تسعى لتنويع اقتصاداتها. كما أن هذا التوجه يعزز من مكانة المملكة كمركز مالي وتقني رائد في المنطقة، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي الدولي، حيث تصبح الشركات السعودية الناشئة لاعباً مؤثراً في الأسواق العالمية.


