مع انخفاض درجات الحرارة ودخول فصل الشتاء، تتصدر الأكلات الشعبية الأحسائية المشهد في المنطقة الشرقية، لتصبح الخيار المفضل للأهالي والزوار على حد سواء. هذه الأطباق ليست مجرد وجبات، بل هي جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي الغني لمحافظة الأحساء، حيث تمزج بين القيمة التراثية العريقة والفوائد الغذائية العالية التي تمنح الجسم الدفء والطاقة اللازمة لمواجهة الأجواء الباردة.
خلفية تاريخية: مطبخ وُلد من رحم الواحة
تتمتع الأحساء، المدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي كـ “واحة الأحساء، مشهد ثقافي متطور”، بتاريخ زراعي عريق يمتد لآلاف السنين. هذا الإرث الزراعي، المتمثل في ملايين أشجار النخيل وزراعة الأرز الحساوي الفريد، شكّل هوية المطبخ المحلي. فقد ابتكر الأجداد أطباقًا تعتمد كليًا على المكونات المحلية الطازجة، مثل التمور ودبسها، والأرز الحساوي، وحبوب القمح الكامل (البُر)، لتكون وجبات مستدامة تمنح الطاقة والدفء. وقد توارثت الأجيال هذه الوصفات، التي أصبحت اليوم رمزًا للكرم والضيافة في المنطقة.
أشهر الأطباق الشتوية وتأثيرها
تبرز في مقدمة هذه الأطباق أصناف أيقونية يزداد الطلب عليها بشكل ملحوظ داخل الأحساء وخارجها، من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج. ومن أبرزها الأرز الحساوي، والعصيدة، والجريش، والهريس، والمرقوق. يؤكد الخبير في الأكلات الشعبية فهد الملحم أن “الأكلات الشتوية تختلف من منطقة لأخرى في المملكة، لكن الأحساء تتميز بتنوع كبير في أطباقها التراثية”. وأضاف: “من أشهر الأكلات الشتوية في الأحساء العصيدة الحساوية، التي تُحضّر من طحين البر والدبس المستخلص من التمر، بينما يضيف البعض التمر الكامل ودهن البقر والفلفل لإضفاء نكهة غنية وقيمة غذائية أعلى”.
إلى جانب العصيدة، تحظى أطباق أخرى بشعبية واسعة مثل “المبصل، وقرص الحنيني، والهريس، والمرقوق، والمفلق، والجريش، وقرص العقيلي”، وهي أطباق تمتد جذورها في عمق التاريخ المحلي. كما يشتهر الخبز الأحمر الحساوي (خبز التمر) الذي يُعد في التنور، والكراعين التي يزداد الطلب عليها في الشتاء لما تمنحه من دفء للجسم.
دفء المذاق ينعش السياحة والاقتصاد
لا يقتصر دور هذه الأكلات على منح الدفء، بل أصبحت محركًا رئيسيًا للسياحة الشتوية في الأحساء. يؤكد المرشد السياحي سلطان البوعلي أن “الكثير من زوار الأحساء والسياح يحرصون على الاستفسار عن الأكلات الشعبية التي تشتهر بها المحافظة”. ويضيف أن الأرز الأحمر الحساوي، الذي يُزرع محليًا، يُعد ميزة فريدة تجذب الزوار ليس فقط لتذوقه، بل لزيارة المزارع والتعرف على مراحل إنتاجه، ثم تناوله في مواقع تراثية مثل سوق القيصرية التاريخي.
هذا الإقبال المتزايد ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي. ويوضح زكريا القطان، صاحب أحد المحال التجارية، أن “الطلب يزداد بشكل ملحوظ خلال فصل الشتاء على الأرز الحساوي، حيث يتراوح سعر الكيلو الواحد ما بين 24 و25 ريالًا”. كما يرتفع الإقبال على دقيق البر السعودي المستخدم في إعداد العصيدة وخبز الرقاق، بالإضافة إلى الهريس والجريش والمفلق المحمص، والبهارات الخاصة التي تأتي من داخل الأحساء وخارجها، بما في ذلك دول الخليج المجاورة.
ويشير مشاري سعد، زائر من الرياض، إلى أن “الأحساء تتميز بشكل لافت بأطباقها الشتوية المتنوعة، ففي مقدمتها الأرز الحساوي والعصيدة والجريش والهريس، إلى جانب الأكلات المرتبطة بالتمور”، مما يجعلها وجهة فريدة لعشاق التراث والمذاق الأصيل.


