ملتقى ثقافي عربي في قلب الأحساء
في تظاهرة ثقافية فريدة، رسخت هيئة التراث السعودية مكانة المملكة كحاضنة للتراث العربي الأصيل عبر تنظيم “مهرجان البشت الحساوي” في قصر إبراهيم التاريخي بالأحساء. استقطب المهرجان مشاركة واسعة من خمس دول عربية رائدة في هذه الحرفة، وهي السعودية، العراق، البحرين، الكويت، قطر، وسوريا، ليؤكد على ريادة الأحساء التاريخية كمهد لهذه الصناعة التقليدية الفاخرة التي تجمع المنطقة على قاسم ثقافي مشترك.
تاريخ البشت الحساوي العريق وأهميته الثقافية
يُعد البشت، أو العباءة الرجالية، رمزاً للأناقة والهيبة في الثقافة العربية والخليجية على وجه الخصوص، حيث يُرتدى في المناسبات الرسمية والاجتماعية الهامة. وتنفرد الأحساء بتاريخ عريق في حياكة البشت يدوياً، وهي حرفة توارثتها الأجيال وتطلبت دقة ومهارة فائقة، مما أكسب “البشت الحساوي” شهرة عالمية لجودته العالية وتصاميمه الفريدة. وقد تُوّج هذا الإرث العريق في ديسمبر 2020 بإدراج حياكة البشت الحساوي ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وهو اعتراف دولي بقيمته الحضارية والإنسانية.
أهمية الحدث وتأثيره العالمي
لم يقتصر تأثير البشت على النطاق المحلي أو الإقليمي، بل وصل إلى العالمية بشكل لافت خلال ختام بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر، حينما أُلبس النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي بشتًا فاخرًا أثناء تتويجه بالكأس، في لقطة تاريخية شاهدها المليارات حول العالم. وقد سلط هذا الحدث الضوء على القيمة الرمزية العميقة للبشت كعربون تقدير واحترام. ويأتي مهرجان البشت الحساوي ليعزز هذه المكانة، حيث يعمل كمنصة حيوية لتبادل الخبرات بين الحرفيين، ونقل أسرار المهنة إلى الأجيال الجديدة، ودعم الاقتصاد المحلي من خلال تنشيط السياحة الثقافية.
شهادات الحرفيين: أصالة وتطوير
أجمع المشاركون على أن المهرجان يمثل فرصة استثنائية لعرض منتجاتهم الأصيلة أمام جمهور متذوق، مما يعزز حضور الزي العربي التقليدي في المشهد الثقافي المعاصر.
- العراق: كشف التاجر العراقي حسن النيار عن عمق الروابط الفنية بين العباءة النجفية والبشت الحساوي، مشيراً إلى تطابق تقنيات الخياطة اليدوية الدقيقة، مما يعكس وحدة الجذر الثقافي بين البلدين.
- البحرين: أكد حسين اليوسف، سليل عائلة تمتهن الحرفة منذ عام 1939، أن البشت البحريني هو امتداد تاريخي للأصل الحساوي، لافتاً إلى نجاح الحرفيين البحرينيين في تطوير نقوش “الزري” وإدخال ألوان عصرية كـ”البيج” و”الرمادي” مع الحفاظ على الهوية.
- سوريا: اعتبر التاجر السوري صادق بعلبكي أن الأحساء هي “الأم الشرعية” لصناعة البشت، معرباً عن فخره بإدراجها في قائمة اليونسكو. وأشار إلى تميز البشت السوري بـ”النقشة الملكية” ذات الخطوط الحمراء واستخدام الزري المائل للاخضرار.
- الكويت: شدد التاجر الكويتي فريد البغلي على أن الحرفيين الأحسائيين هم من نقلوا أسرار الصنعة إلى دول الجوار، لافتاً إلى الإنجاز الكويتي المتمثل في دخول موسوعة “غينيس” عبر حياكة أكبر بشت في العالم بطول ناهز 17 متراً.
- قطر: اختتم التاجر القطري علي اليوسف بالتأكيد على التزام الحرفيين في قطر بالحفاظ على “الدقة الحساوية القديمة” التي كان يرتديها الملوك، مع الحرص على استخدام أجود أنواع الزري (الألماني والفرنسي) والأقمشة (اليابانية والإنجليزية) لتقديم منتج يجمع بين الفخامة والأصالة.


