
يشهد العالم الرقمي تحولاً جذرياً في مفاهيم البيع والشراء، حيث يتسابق عمالقة المدفوعات المالية عالمياً، وفي مقدمتهم "فيزا" و"ماستركارد"، لبناء بنية تحتية متطورة تعتمد كلياً على ما يُعرف باسم "التجارة الوكيلة" (Agentic Commerce). هذا المفهوم الجديد يعتمد على وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على إتمام دورة الشراء كاملة نيابة عن المستهلكين، بدءاً من البحث والمقارنة وصولاً إلى الدفع.
من التجارة الإلكترونية إلى التجارة الوكيلة
لفهم حجم هذا التغيير، يجب النظر إلى السياق التاريخي لتطور التجارة. انتقل العالم من التجارة التقليدية في المتاجر الفعلية إلى التجارة الإلكترونية التي مكنت المستخدمين من التسوق عبر الشاشات. واليوم، نحن بصدد الدخول في الموجة الثالثة، حيث لا يقتصر دور التكنولوجيا على عرض المنتجات، بل يتعداه إلى اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام. تقوم التجارة الوكيلة على تغيير فلسفة التسوق؛ فبدلاً من تنقل المستهلك بين عشرات النوافذ والمواقع والتطبيقات، سيتمكن من إعطاء أمر بسيط عبر محادثة نصية أو صوتية لوكيل ذكي.
هذا الوكيل، الذي قد يكون مدمجاً في مساعدات متطورة مثل "شات جي بي تي" أو "جيميني" أو تطبيقات البنوك، يتولى المهمة الشاقة: البحث عبر مئات الخيارات، مقارنة الأسعار الدقيقة، مراجعة المواصفات، وأخيراً الحجز والدفع الآمن باستخدام البيانات المخزنة مسبقاً.
مكاسب المستهلك وتحديات الشركات
بالنسبة للمستهلك، يعد هذا التحول بعصر ذهبي من الراحة. تشير استبيانات حديثة أجرتها "فيزا" إلى أن نصف المتسوقين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل لتعزيز تجربة التسوق. ستزيل هذه التقنية عناء البحث لساعات، وتوفر شفافية سعرية غير مسبوقة، مما يمنح المستهلك قوة تفاوضية هائلة من خلال الوصول الفوري لأفضل العروض في السوق.
على الجانب الآخر، تواجه الشركات والتجار واقعاً تنافسياً شرساً. فمع وجود أدوات ذكية تكتشف السعر الأمثل تلقائياً، ستزداد حدة المنافسة السعرية، مما قد يضغط بشدة على هوامش الربح. التحدي الأكبر يكمن في فقدان قناة الاتصال المباشر مع العميل؛ حيث سيصبح "الوكيل الذكي" هو الوسيط الجديد الذي يتحكم في قرار الشراء، مما يستدعي من الشركات إعادة هندسة استراتيجيات التسويق والولاء بالكامل.
مستقبل غامض ومعركة السيادة
بدأت ملامح الصراع تظهر في الأفق، حيث تختبر منصات كبرى مثل "أمازون" وكلاءها الخاصين، بينما تحاول تقييد وصول وكلاء خارجيين لبياناتها، في إشارة لمعركة سيادة محتملة على هذه القناة البيعية الجديدة. ورغم الوعود الكبيرة، تقف تحديات جوهرية أمام التطبيق الشامل، أبرزها قضايا الأمن والمسؤولية القانونية. ففي حال قام الوكيل بشراء منتج خاطئ أو حجز موعد غير مناسب، من يتحمل المسؤولية؟ هذه الأسئلة تفرض ضرورة بناء أنظمة حماية وتشريعات جديدة تضمن حقوق جميع الأطراف في هذا الاقتصاد المؤتمت.

