أصدرت محكمة مختصة حكماً قضائياً يقضي بتبرئة مواطنة من تهمة الانخراط في تشكيل عصابي يهدف إلى الاحتيال المالي، وذلك بعد أن قررت الدائرة القضائية رد الدعوى العامة لعدم ثبوت الإدانة بيقين جازم، مرسخة بذلك مبادئ العدالة التي تشترط الدليل القاطع لإيقاع العقوبة.
تفاصيل الاتهام وحيثيات القضية
بدأت فصول الواقعة عندما وجه المدعي العام اتهاماً للمواطنة بالاشتراك مع أطراف أخرى في عمليات احتيال مالي منظم. واستندت لائحة الاتهام إلى ادعاءات باستيلاء المتهمة وشركائها المفترضين على مبالغ نقدية تجاوزت 20 ألف ريال، بالإضافة إلى أجهزة إلكترونية، وذلك من خلال استدراج الضحايا عبر وسائل الخداع والإيهام.
وفي جلسات المحاكمة، أنكرت المتهمة كافة التهم المنسوبة إليها جملة وتفصيلاً أمام الدائرة القضائية. هذا الإنكار دفع المحكمة إلى فحص أوراق الدعوى بتمحيص دقيق، حيث استعرضت المقاطع المرئية المقدمة كأدلة استدلال، واستمعت لدفوع كافة الأطراف المعنية، لتخلص إلى نتيجة مفادها أن الأدلة المقدمة لا ترقى لمستوى الإدانة.
الأسس القانونية للحكم: الشك يفسر لصالح المتهم
أكدت المحكمة في حيثيات حكمها مبدأً جوهرياً في القضاء الجزائي، وهو أن الأحكام تُبنى على الجزم واليقين لا على الشك والتخمين. وأوضحت الدائرة أن الأدلة والقرائن التي قدمها الادعاء العام ظلت في دائرة “الشبهة” ولم تصل إلى مستوى الدليل القطعي الموجب للإدانة، مشيرة إلى خلو ملف القضية من بينات موصلة تثبت الجرم بشكل لا يقبل التأويل.
واستند الحكم في تسبيبه إلى قواعد فقهية وقانونية راسخة، مستحضراً أقوال العلماء بأن «الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة»، وأن الشك يفسر دائماً لصالح المتهم؛ حيث أن الأصل في الإنسان براءة الذمة، ولا يزول هذا الأصل إلا بيقين لا يتطرق إليه احتمال.
السياق العام: مكافحة الاحتيال المالي وضمانات العدالة
يأتي هذا الحكم في وقت تشهد فيه الساحة المحلية والإقليمية جهوداً مكثفة لمكافحة الجرائم المالية والاحتيال الإلكتروني، والتي تطورت أساليبها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. ورغم الصرامة التي تتعامل بها الأنظمة مع قضايا الاحتيال المالي نظراً لضررها الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن هذا الحكم يبرز توازن النظام القضائي في المملكة العربية السعودية.
ويعكس القرار حرص القضاء على عدم الانسياق وراء مجرد الاتهام دون دليل مادي ملموس، مما يعزز الثقة في المنظومة العدلية التي تضع حماية حقوق الأفراد وحرياتهم في كفة متوازنة مع حق المجتمع في الأمن والعقاب. فالتهمة المجردة، مهما كانت خطورتها، لا تغني عن الدليل، والاكتفاء بالشبهات في إيقاع العقوبات يخالف المنهج الشرعي والنظامي.
القرار النهائي وتأثيره
قضت المحكمة نهائياً برفض دعوى المدعي العام وإخلاء سبيل المتهمة بكفالة حضورية ضامنة. وقد منحت المحكمة أطراف الدعوى مهلة نظامية قدرها ثلاثون يوماً للاعتراض على الحكم قبل أن يكتسب الصفة القطعية ويصبح واجب النفاذ. ويُعد هذا الحكم تذكيراً هاماً بأن مكافحة الجريمة لا تعني التهاون في معايير الإثبات، وأن حماية البريء لا تقل أهمية عن معاقبة المسيء.

