استعرضت وزارة الثقافة أحدث التقنيات الرقمية المبتكرة في خطوة رائدة تهدف إلى توثيق التراث السعودي بالذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال ورشة عمل متخصصة أقيمت ضمن فعاليات مهرجان الفنون التقليدية. تسعى هذه المبادرة إلى تأسيس أرشيف رقمي عالي الدقة، يعمل على حفظ الحركات الأدائية الدقيقة للفنون الشعبية ونقلها للأجيال القادمة بأسلوب عصري يواكب التطور التكنولوجي الذي تشهده المملكة.
جذور الفنون الشعبية وأهمية توثيق التراث السعودي بالذكاء الاصطناعي
تزخر المملكة العربية السعودية بتاريخ ثقافي غني يتجلى في فنونها الأدائية المتنوعة التي تعكس تنوع تضاريسها ومناطقها. وتعتبر العرضة السعودية، التي ارتبطت تاريخياً بانتصارات وتوحيد المملكة، من أبرز هذه الفنون، وقد تم إدراجها ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو في عام 2015. إلى جانب ذلك، يبرز فن المزمار الحجازي الذي أُدرج في اليونسكو عام 2016 كأحد الفنون العريقة المعتمدة على الأداء الحركي بالعصي، وفن السامري الذي يمثل جزءاً أصيلاً من ثقافة منطقة نجد والجزيرة العربية. إن دمج هذه الفنون العريقة مع التقنيات الحديثة يمثل نقلة نوعية في طرق الحفظ والأرشفة.
الأبعاد الاستراتيجية للأرشفة الرقمية
كشف مدير برنامج ماجستير التراث الوطني بالمعهد الملكي للفنون التقليدية ورث، الدكتور سلطان المطيري، عن الأبعاد الاستراتيجية لتوثيق التفاصيل الحركية لفنون العرضة، والمزمار، والسامري. وأوضح المطيري أن هذه الجهود المكثفة تسهم بشكل مباشر في بناء أرشيفات رقمية متطورة، تعزز حضور الفنون السعودية تعليمياً ومعرفياً على النطاق العالمي، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تولي اهتماماً بالغاً بحفظ الهوية الوطنية وإبرازها دولياً.
التأثير المحلي والدولي للنقل عالي الدقة للتراث
وأشار الدكتور المطيري إلى الدور الحيوي لعملية التوثيق في إتاحة الوصول الافتراضي للمبتعثين والمغتربين، مما يعزز ارتباطهم بوطنهم. كما يمتد هذا التأثير إقليمياً ودولياً من خلال تطوير أدوات تفاعلية حديثة تضمن نقل هذا الموروث الأصيل للأجيال الجديدة وللجمهور العالمي بدقة متناهية. وبيّن أن الرصد الحركي الدقيق يمكّن الباحثين والأكاديميين من تحليل الفروق المناطقية في الأداء، وإعادة تقديم التراث المسجل ضمن قوائم اليونسكو بصورته الأصلية الخالية من أي شوائب أو تحريف.
تطبيقات التوثيق الحديثة وتجاوز التحديات الميدانية
تطرقت ورشة العمل ميدانياً إلى آليات التوثيق المتقدمة عبر الهواتف الذكية بدقة 4K وبمعدل 60 إطاراً في الثانية، وذلك لتقليل ضبابية الحركة وضمان استخراج نتائج دقيقة قابلة للتحليل. ولفت الدكتور المطيري إلى الأهمية البالغة لاستخدام كاميرات 360 درجة في تسجيل المشهد الشامل للمؤدين والجمهور، مما يسهم في إنتاج تجارب واقع افتراضي تضع المتلقي في قلب الحدث الفني، سواء كان داخل المملكة أو خارجها.
واستعرضت الورشة أيضاً تطبيقات التوثيق الحديثة في قطاعات المتاحف، والتعليم، والترفيه، لدعم صناعة ألعاب الفيديو، والرسوم المتحركة، والسياحة الرقمية التي تبرز التراث محلياً ودولياً. وشدد المطيري على ضرورة الالتزام الصارم بالضوابط الأخلاقية، المتمثلة في نيل موافقة المؤدين، وضمان سيادة البيانات للمجتمعات المحلية، مع مراعاة خصوصية الموروث المرتبط بالنساء.
واختتم حديثه بتشريح التحديات الميدانية التي تواجه فرق العمل، مثل حجب الرؤية الناتج عن الملابس الفضفاضة والسيوف أثناء الأداء الحركي. وأكد أنه يتم معالجة هذه التحديات بفاعلية واحترافية عبر استخدام كاميرات العمق وتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مما يضمن خروج العمل التوثيقي بأعلى معايير الجودة العالمية.


