أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استمرار العمليات العسكرية وتصعيد الحرب ضد إيران موجة من القلق الواسع، مما أدى إلى إحداث صدمات عنيفة في الأسواق العالمية. وقد تباينت ردود الفعل بشكل ملحوظ، حيث شهدنا تراجعاً حاداً في أسعار الذهب والأسهم، في حين انتعش الدولار الأمريكي كملاذ آمن، وقفزت أسعار النفط بشكل جنوني لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار للبرميل. وفي خطابه المتلفز، أكد ترامب أن الولايات المتحدة ستوجه ضربات بقوة شديدة خلال أسابيع، مشيراً إلى اقتراب تحقيق الأهداف العسكرية، لكنه ترك المستثمرين في حالة من عدم اليقين بسبب غياب جدول زمني واضح للانسحاب أو إنهاء الصراع.
جذور التوترات الجيوسياسية وتأثيرها الممتد
لفهم حالة الذعر التي أصابت الأسواق، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية. منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018 وتطبيق سياسة الضغوط القصوى، تعيش المنطقة حالة من الترقب المستمر. هذا التصعيد الأخير لا يمثل مجرد أزمة عابرة، بل هو امتداد لسلسلة من التوترات التي تهدد استقرار الشرق الأوسط. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الحدث في كون المنطقة شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي، حيث أن أي صراع مفتوح هناك ينعكس فوراً على سلاسل الإمداد، مما يجعل حركة التجارة شديدة الحساسية تجاه أي تصريح ينذر بتوسيع رقعة العمليات العسكرية.
الذهب ينهي مكاسبه وسط تقلبات الأسواق العالمية
في رد فعل مباشر على تصريحات ترامب، تراجعت أسعار الذهب عن أعلى مستوياتها التي سجلتها خلال أسبوعين. وانخفض السعر في المعاملات الفورية بنسبة 2% ليصل إلى مستويات متدنية تقارب 4664 دولار للأوقية، لينهي بذلك سلسلة مكاسب استمرت لأربعة أيام متتالية. كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأمريكي بنسبة 2.5% لتصل إلى 4691.10 دولار. هذا التراجع يعكس حالة التخبط، حيث فضل بعض المستثمرين تسييل أصولهم الذهبية للتوجه نحو السيولة النقدية المضمونة، وتحديداً الدولار.
قفزة تاريخية للنفط وانتعاش قوي للدولار
لم يكن قطاع الطاقة بمنأى عن هذه التداعيات، بل كان المتأثر الأكبر. قفز سعر عقود خام برنت لشهر يونيو بأكثر من 6% ليتجاوز 107.69 دولار للبرميل. المستثمرون لم يجدوا ما يطمئنهم في الخطاب الرئاسي، خاصة مع غياب الرؤية حول كيفية تأمين وحماية مضيق هرمز. يُعد هذا المضيق ممراً ملاحياً استراتيجياً يمر عبره جزء كبير من استهلاك العالم من النفط، وأي تعطل مطول في حركة الملاحة هناك سيوجه ضربة قاصمة للإمدادات المتجهة إلى آسيا وأوروبا. في المقابل، أثبت الدولار الأمريكي مجدداً أنه الملاذ الآمن المفضل في أوقات الأزمات، حيث ارتفع مؤشر الدولار بنسبة 0.5% ليصل إلى 100.05، متجاوزاً خسائره السابقة، بينما تراجع اليورو بنسبة 0.5% إلى 1.1533 دولار.
انتكاسة الأسهم وعودة شبح الركود التضخمي
على صعيد أسواق المال، تكبدت الأسهم خسائر فادحة. تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بنسبة 1.3%، والأوروبية بأكثر من 2%. وكانت الضربة الأقوى في آسيا، حيث هبط مؤشر نيكي الياباني بنسبة 2.4%، ومؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 4.7%، وانخفض مؤشر إم.إس.سي.آي لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكثر من 2%. هذا التراجع جاء ليمحو انتعاشاً قوياً كانت قد شهدته البورصات الآسيوية سابقاً بلغ 9%.
ويتوقع المحللون الاقتصاديون أن تتفاقم حالة العزوف عن المخاطرة، حيث يسارع المستثمرون لتقليص محافظهم الاستثمارية. الأثر المتوقع لهذا الحدث يتجاوز الحدود الإقليمية ليضرب الاقتصاد الدولي بأسره، إذ أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي حتماً إلى زيادة معدلات التضخم. هذا السيناريو أعاد إحياء المخاوف من حدوث ركود تضخمي، مما قد يجبر البنوك المركزية على التخلي عن خطط خفض أسعار الفائدة. وقد تجلى ذلك في ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بمقدار 5 نقاط أساس لتصل إلى 4.376%، مع توقعات باستمرار تراجع سوق السندات في أوروبا.


