وجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالة علنية حازمة إلى الشعب الأمريكي، أكد فيها أن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على المنشآت الحيوية، وتحديداً استهداف البنى التحتية للطاقة، يشكل “جريمة حرب” مكتملة الأركان. تأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، قبيل خطاب مرتقب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبعد مرور أكثر من شهر على اندلاع مواجهات عنيفة في منطقة الشرق الأوسط. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، زعم ترامب أن طهران تسعى جاهدة للمطالبة بوقف إطلاق النار، وهو ادعاء سارعت القيادة في طهران إلى نفيه بشكل قاطع، مما يعكس عمق الفجوة السياسية بين الطرفين.
التوترات التاريخية وحرب الظل في الشرق الأوسط
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد الذي يحكم العلاقات بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى. لعقود طويلة، اتسمت الصراعات في الشرق الأوسط بما يُعرف بـ “حرب الظل”، حيث اعتمدت الأطراف على الهجمات السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية، ودعم الحلفاء الإقليميين لتوجيه ضربات متبادلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة ومباشرة. ومع ذلك، فإن الهجوم المباشر الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على العاصمة طهران في الثامن والعشرين من فبراير، يمثل تحولاً جذرياً وخطيراً في قواعد الاشتباك التاريخية. هذا التصعيد المباشر ينقل الصراع من الخفاء إلى العلن، مما يضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن، وينذر بتغيير الخرائط الجيوسياسية التي استقرت لسنوات.
تداعيات استهداف البنى التحتية للطاقة على المشهد العالمي
إن خطورة الموقف لا تقتصر على الحدود الجغرافية للدول المتنازعة، بل تمتد لتشمل العالم أجمع. وفي هذا السياق، أوضح الرئيس الإيراني عبر موقعه الرسمي أن استهداف البنى التحتية للطاقة والصناعة في إيران لا يُعد مجرد تكتيك عسكري، بل هو استهداف مباشر لقوت الشعب الإيراني وحياته اليومية. إقليمياً، تثير هذه الهجمات مخاوف الدول المجاورة من اتساع رقعة الصراع وتأثيره على أمن الخليج. أما دولياً، فإن المساس بمنشآت الطاقة الإيرانية يهدد بإحداث صدمة عنيفة في أسواق النفط العالمية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار المحروقات، وزيادة معدلات التضخم التي تعاني منها الاقتصادات الكبرى بالفعل.
الخسائر البشرية والارتباك الاستراتيجي
وفي رسالته، شدد بزشكيان على الأبعاد الإنسانية الكارثية لهذا التصعيد، مشيراً إلى أن هذه الأعمال تتجاوز كونها انتهاكاً للقوانين الدولية، لتصبح مولداً رئيسياً لعدم الاستقرار. وأضاف أن هذه الضربات تزيد من حجم الخسائر البشرية وتضاعف التكاليف الاقتصادية، وتزرع بذور استياء شعبي عميق قد يستمر لعقود. واعتبر الرئيس الإيراني أن اللجوء إلى تدمير المقدرات المدنية ليس دليلاً على القوة، بل هو انعكاس واضح لحالة من “الارتباك الاستراتيجي” والعجز التام عن إيجاد حلول دبلوماسية مستدامة. كما اتهم إسرائيل صراحة بالتلاعب بالقرار الأمريكي وجر واشنطن إلى مستنقع حرب جديدة لصرف انتباه المجتمع الدولي عن الانتهاكات المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، متسائلاً عن مدى التزام الإدارة الأمريكية بشعار “أمريكا أولاً”.
أزمة مضيق هرمز ومستقبل الأمن الملاحي
على الجانب الآخر، تتشابك الملفات الاقتصادية والعسكرية بشكل وثيق، حيث ربط الرئيس الأمريكي أي حديث عن اتفاق لوقف إطلاق النار بضرورة ضمان حرية الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز. يُعد هذا المضيق شرياناً حيوياً يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، وأي حصار أو إغلاق له من الجانب الإيراني رداً على الهجمات، سيؤدي حتماً إلى شلل في حركة التجارة البحرية وزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي بأسره. يترقب العالم الآن الخطاب الأول لترامب الموجه للأمة منذ بدء هذه الأعمال العدائية، والمقرر بثه في تمام الساعة التاسعة مساءً (الواحدة فجراً بتوقيت غرينتش يوم الخميس)، والذي قد يحدد المسار المستقبلي لهذا الصراع المعقد، إما نحو التهدئة أو نحو مواجهة مفتوحة لا تُحمد عقباها.


