تتصدر قضية بيع ملعب سان سيرو المشهد الرياضي والسياسي في إيطاليا حالياً، حيث تُجري السلطات الإيطالية تحقيقاً رسمياً ومكثفاً في عملية البيع التي تمت من جانب بلدية ميلانو إلى ناديي إنتر ميلان وإي سي ميلان. وتأتي هذه التحركات الأمنية والقضائية وسط شبهات قوية بوجود تلاعب في المناقصات الخاصة بالمشروع، وفقاً لما أفادت به تقارير إعلامية محلية يوم الثلاثاء، مما يضع مستقبل هذا المشروع الضخم على المحك.
وفي تفاصيل القضية، يخضع تسعة أشخاص حالياً للتحقيق الدقيق بعد أن نفذت قوات الشرطة المالية الإيطالية عمليات تفتيش واسعة شملت مقر بلدية ميلانو، بالإضافة إلى مكاتب الشركة المملوكة مناصفة بين ناديي إنتر وميلان، والتي تتولى مسؤولية إدارة الملعب الحالي. وتشمل قائمة الخاضعين للتحقيق أسماء بارزة، من أهمها المدير التنفيذي السابق لنادي إنتر، أليساندرو أنتونيلو، إلى جانب ممثلين قانونيين عن الناديين. كما طالت التحقيقات المدير العام لبلدية ميلانو، كريستيان مالانغوني، الذي يُوصف في الأوساط السياسية بأنه “اليد اليمنى” لعمدة المدينة جوزيبي سالا.
السياق التاريخي: أزمة البنية التحتية في الكرة الإيطالية
لفهم أبعاد هذه القضية، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للملعب الأيقوني. يُعد ملعب “جوزيبي مياتزا” المعروف بـ “سان سيرو”، والذي تم افتتاحه عام 1926، واحداً من أعرق الملاعب في العالم وأكثرها شهرة. ومع ذلك، تعاني الأندية الإيطالية، بما فيها قطبا ميلانو، من أزمة هيكلية تتمثل في ملكية البلديات للملاعب، مما يحرم الأندية من عوائد مالية ضخمة مقارنة بمنافسيها في الدوري الإنجليزي أو الإسباني. لذلك، سعت إدارتا إنتر وميلان لسنوات طويلة للتخلص من قيود الإيجار الحكومي وبناء ملعب حديث ومملوك بالكامل لهما لتعزيز المداخيل التجارية وتطوير تجربة الجماهير.
تفاصيل الخطة والمخالفات المزعومة في صفقة بيع ملعب سان سيرو
تتركز اتهامات التلاعب بشكل أساسي في الطريقة التي تمت بها الموافقة في أواخر شهر سبتمبر الماضي على صفقة بيع ملعب سان سيرو. بلغت قيمة الصفقة 197 مليون يورو (ما يعادل تقريباً 227 مليون دولار أمريكي)، وشملت مساحة تبلغ 28 هكتاراً (حوالي 70 فداناً) من الأراضي العامة التي يُقام عليها الملعب الحالي. وتتضمن الخطة المستقبلية للناديين هدم الهيكل التاريخي لسان سيرو، وبناء ملعب جديد وعصري يتسع لحوالي 70 ألف متفرج على قطعة الأرض الواقعة مباشرة إلى الغرب من الموقع الحالي.
لكن الادعاء العام يوجه اتهامات خطيرة لمسؤولين في المجلس البلدي بمحاباة مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة للمدينة. وتشير التحقيقات إلى احتمال استخدام قانون صُمم خصيصاً لتسهيل بناء الملاعب الرياضية بطريقة ملتوية من أجل خدمة شركات إنشاءات محددة سلفاً. ويأتي هذا التحقيق في عملية البيع، التي اكتملت أوراقها في نوفمبر، كجزء من تحقيق أوسع نطاقاً يتعلق بشبهات فساد في التخطيط العمراني بمدينة ميلانو. وفي هذا السياق، يخضع مجدداً للتحقيق عضو المجلس السابق للتخطيط العمراني، جانكارلو تانكريدي، الذي كانت أعلى محكمة في إيطاليا قد ألغت في ديسمبر قرار توقيفه المتعلق بتحقيق أوسع نُفذ في الصيف الماضي، وذلك بناءً على طلب مباشر من مكتب المدعي العام في ميلانو.
التداعيات المتوقعة على مستقبل قطبي ميلانو والرياضة الإيطالية
تحمل هذه التحقيقات تأثيراً بالغ الأهمية على مستويات متعددة. محلياً، قد يؤدي إثبات هذه التهم إلى تجميد المشروع بالكامل، مما يوجه ضربة قوية لخطط التطوير العمراني في مدينة ميلانو ويضع الإدارة المحلية في مأزق سياسي حرج. أما إقليمياً ودولياً، فإن تعثر بناء الملعب الجديد سيؤثر سلباً على التقييم المالي لناديي إنتر وميلان، ويحد من قدرتهما التنافسية في البطولات الأوروبية الكبرى مثل دوري أبطال أوروبا بسبب ضعف البنية التحتية التجارية. علاوة على ذلك، يلقي هذا التعطيل بظلال من الشك على جاهزية إيطاليا لتطوير ملاعبها استعداداً لاستضافة بطولة كأس أمم أوروبا (يورو 2032) التي تنظمها بالاشتراك مع تركيا، حيث كان يُعول على الملعب الجديد ليكون أحد الملاعب الرئيسية في البطولة.


