أعلنت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في العاصمة السعودية الرياض عن كشف ثقافي وتاريخي هام، حيث أزاحت الستار عن مجموعة تضم 185 من مخطوطات تفسير القرآن الكريم النادرة. يتصدر هذه المجموعة الثمينة مخطوطة نادرة تعود إلى القرن الرابع الهجري تحمل عنوان «غريب القرآن»، وهي من تأليف العالم الجليل في عصره، أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري المتوفى سنة 209 هجرية. هذا الإعلان يعكس الجهود الحثيثة للمملكة في حفظ التراث الإسلامي وإتاحته للباحثين.
السياق التاريخي لحفظ التراث الإسلامي
على مر العصور الإسلامية، حظيت العناية بالقرآن الكريم وعلومه بمكانة الصدارة لدى العلماء والباحثين. وقد شكلت المخطوطات القديمة النواة الأساسية لنقل المعرفة الدينية واللغوية عبر الأجيال، حيث كانت المكتبات في العالم الإسلامي بمثابة منارات للعلم. وفي هذا السياق، تبرز مخطوطة «غريب القرآن» التي تتكون من 23 رقاً بمقاس 17 × 22 سم. تبدأ المخطوطة بعبارة: “قال هذا ربي على الحقيقة والاعتقاد. في الأنعام قال الله عز وجل: ثمانية أزواج…”، وتختتم بقوله: “أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”.
روعة الخط الأندلسي وتاريخ المؤلف
ما يميز هذه المخطوطة التي تجاوز عمرها الألف عام هو كتابتها بخط أندلسي مبكر ومقروء، وهو ما يعكس التبادل الثقافي الواسع في العالم الإسلامي قديماً، بينما زُينت أسماء السور بالخط الكوفي العريق. يُذكر أن أبا عبيدة (110-209 هـ / 728-824م) كان قامة علمية باسقة، حيث ترك ما يربو على 200 مؤلف. وقد وصفه الجاحظ بقوله: “لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه”. من أبرز مؤلفاته: مجاز القرآن، نقائض جرير والفرزدق، مآثر العرب، العققة والبررة، أيام العرب، معاني القرآن، وطبقات الشعراء.
تنوع فريد في مخطوطات تفسير القرآن الكريم
لا يقتصر كنز المكتبة على مخطوطة واحدة، بل تقتني مجموعة واسعة من مخطوطات تفسير القرآن الكريم التي تعكس ثراء المكتبة الإسلامية. من بينها «إعراب القرآن ومعانيه» لأبي إسحاق الزجاج (ت 311 هـ) المنسوخة في القرن الخامس الهجري، و«تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ) المنسوخة في القرن السابع الهجري. كما تضم أجزاء من «جامع البيان في تفسير القرآن» للطبري (ت 310 هـ) المنسوخة في القرن السادس الهجري وتتكون من 77 رقاً، وكتاب «في معاني القرآن الكريم وتفسيره» لمحمد النقاش (ت 351 هـ) المنسوخة في القرن السابع الهجري.
الأثر الإقليمي والدولي لجهود مكتبة الملك عبدالعزيز
إن الكشف عن هذا العدد الضخم من المخطوطات يحمل أهمية كبرى وتأثيراً بالغاً على المستويين الإقليمي والدولي. فهو يعزز مكانة المملكة العربية السعودية كحاضنة رئيسية وراعية للتراث الإسلامي، ويوفر للباحثين والمستشرقين حول العالم مصادر أولية غير مطبوعة لدراسة تطور اللغة العربية والعلوم الشرعية. يحتوي الأرشيف التراثي للمكتبة على أكثر من 185 مخطوطة في مجال التفسير وحده، إلى جانب مئات المخطوطات المقسمة إلى أربعة مجالات رئيسية: التفسير، القراءات والتجويد والإجازات، علوم القرآن، والمصاحف.
فضاءات قرآنية تخدم البحث العلمي
تتنوع العناوين في هذا الأرشيف لتشمل نفائس مثل: «لباب التأويل في معاني التنزيل»، «التيسير في التفسير» للنسفي، و«البحر المديد في تفسير القرآن المجيد» لابن عجيبة، و«معالم التنزيل في التفسير والتأويل» للبغوي. كما تبرز مخطوطات نادرة كـ «تفسير الجلالين»، و«الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، و«اللوامع والأسرار في منافع القرآن والأخبار». تهدف مكتبة الملك عبدالعزيز العامة من خلال عرض هذه المقتنيات إلى فتح مساحات جديدة لتلقي التراث ودراسته، وتقديم خدمة جليلة للبحث العلمي المنهجي، مما يسهم في ربط الحاضر بالماضي العريق وإثراء المشهد الثقافي العالمي.


