رصدت الجمعية الفلكية بجدة تصاعداً ملحوظاً في النشاط الشمسي صباح اليوم السبت، حيث ظهر قرص الشمس مرصعاً بعدد كبير من البقع الشمسية. ويعد هذا التطور مؤشراً واضحاً على دخول الشمس مرحلة أكثر نشاطاً ضمن دورتها الطبيعية. وأوضح رئيس الجمعية، المهندس ماجد أبوزاهرة، أن الرصد الفلكي أظهر وجود ما لا يقل عن عشر مجموعات من البقع الشمسية على الجانب المواجه للأرض، من بينها ثلاث نوى مظلمة جديدة بدأت بالظهور عند الحافة الشرقية للشمس، مما يعكس تطوراً سريعاً في وتيرة هذا النشاط.
الدورة الطبيعية وتاريخ النشاط الشمسي
لفهم طبيعة هذا الحدث، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية، حيث تمر الشمس بدورة نشاط مغناطيسي تستمر تقريباً لمدة 11 عاماً، تُعرف باسم “الدورة الشمسية”. نحن نعيش حالياً ضمن الدورة الشمسية الخامسة والعشرين، والتي تقترب من ذروتها، وهو ما يفسر الارتفاع المفاجئ في عدد البقع الشمسية. تاريخياً، سجل العلماء أحداثاً كبرى ارتبطت بتصاعد النشاط الشمسي، لعل أبرزها “حدث كارينغتون” عام 1859، والذي تسبب في تعطل شبكات التلغراف حول العالم وظهور الشفق القطبي في مناطق قريبة من خط الاستواء. ورغم ندرة مثل هذه العواصف المتطرفة، إلا أن مراقبة البقع الشمسية تظل ضرورة علمية لفهم سلوك نجمنا وتوقع تغيراته بدقة.
كيف يؤثر النشاط الشمسي على كوكب الأرض؟
تُعد البقع الشمسية مناطق أقل حرارة نسبياً على سطح الشمس، لكنها ترتبط بنشاط مغناطيسي مكثف. وعند حدوث اضطرابات مفاجئة في هذه المجالات المغناطيسية، تنطلق كميات هائلة من الطاقة على شكل توهجات شمسية أو انبعاثات إكليلية كتلية. وأشار أبوزاهرة إلى أن تزايد عدد هذه المجموعات يرفع من فرص حدوث توهجات قوية، قد تؤثر على أنظمة الاتصالات والأقمار الصناعية، إضافة إلى شبكات الكهرباء، خاصة في حال كانت هذه الانبعاثات موجهة مباشرة نحو الأرض. على الصعيد الدولي، تبرز أهمية الحدث في كونه يتيح فرصة مميزة لهواة الرصد الفلكي، إذ قد تسهم العواصف الجيومغناطيسية القوية في توسيع نطاق رؤية الشفق القطبي ليشمل مناطق أبعد من المعتاد.
تداعيات النشاط الشمسي المتزايد على المهام الفضائية
وفي سياق متصل، لفت رئيس الجمعية إلى أن النشاط الشمسي المتزايد قد يكون له تأثير غير مباشر على مهمة “Artemis II” الفضائية، المتوقع إطلاقها مطلع أبريل 2026. فزيادة البقع الشمسية تعني ارتفاع احتمالات التعرض لتوهجات وعواصف شمسية قد تشكل خطراً إشعاعياً على رواد الفضاء خارج نطاق حماية المجال المغناطيسي للأرض. ومع ذلك، أكد أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة تأجيل المهمة، حيث تعتمد وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” على أنظمة مراقبة دقيقة ومستمرة، مع القدرة على تعديل توقيت الإطلاق عند الحاجة، بما يضمن سلامة الطاقم وتقليل المخاطر المحتملة.
فلكية جدة تطمئن السكان محلياً وإقليمياً
وعلى صعيد التأثيرات المحلية والإقليمية، أوضح المهندس أبوزاهرة أن النشاط الشمسي الحالي لا يُتوقع أن يكون له تأثير مباشر على الحياة اليومية في العالم العربي. تمر معظم التوهجات دون أن يشعر بها السكان بفضل الدرع المغناطيسي القوي الذي يحمي كوكب الأرض ويشتت الجسيمات المشحونة. إلا أنه قد تظهر بعض التأثيرات المحدودة وغير المباشرة في حالات نادرة، مثل تشويش مؤقت على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) أو الاتصالات اللاسلكية عالية التردد.
وأكد أن هذه التأثيرات، حتى في حال حدوثها، تظل غالباً تحت السيطرة بفضل أنظمة المراقبة والحماية الحديثة المدمجة في التكنولوجيا المعاصرة، ولا تشكل مصدر قلق، ما يعني استمرار الحياة اليومية بشكل طبيعي. واختتم أبوزاهرة بالإشارة إلى أن العلماء يواصلون مراقبة تطور هذه البقع الشمسية عن كثب خلال الأيام المقبلة، بهدف تقييم احتمالات التصعيد وتحديد مدى تأثيرها المحتمل على كوكب الأرض لضمان الاستعداد التام لأي طارئ فضائي.


