أطلقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تحذيرات شديدة اللهجة بشأن التداعيات الخطيرة للتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وفي تقريرها الأخير الصادر يوم الخميس، أوضحت المنظمة أن تصاعد الصراع واندلاع مواجهة شاملة سيؤدي إلى انحراف مسار النمو، مما يبرز بوضوح العلاقة الوثيقة بين حرب إيران والاقتصاد العالمي. وأشارت المنظمة إلى أن التوقف شبه التام المحتمل لشحنات الطاقة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي سيؤدي إلى صدمة قوية في الأسواق، مما يهدد برفع معدلات التضخم بشكل حاد وتدمير آمال التعافي الاقتصادي.
الجذور التاريخية للتوترات وتأثيرها على ممرات الطاقة
لفهم أبعاد هذه التحذيرات، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الخليج العربي ومضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط والغاز العالمية. تاريخياً، أدت أي صراعات في هذه المنطقة، بدءاً من أزمة النفط في السبعينيات وصولاً إلى حرب الناقلات في الثمانينيات، إلى أزمات طاقة عالمية طاحنة. واليوم، يعيد التاريخ نفسه مع تصاعد التهديدات المتبادلة، حيث يمر عبر مضيق هرمز حوالي خُمس استهلاك العالم من النفط يومياً. هذا الاعتماد الكبير يجعل أي تهديد للملاحة في هذا الممر المائي بمثابة تهديد مباشر للأمن الاقتصادي الدولي، مما يفسر القلق العميق الذي تبديه المؤسسات المالية الكبرى تجاه أي تصعيد عسكري محتمل.
تداعيات حرب إيران والاقتصاد العالمي: أبعاد محلية ودولية
تبرز أهمية الحدث وتأثيره المتوقع على مستويات متعددة، حيث لا تقتصر الأضرار على الدول المتصارعة فحسب، بل تمتد لتشمل الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء. على الصعيد الإقليمي، سيؤدي الصراع إلى تعطل خطط التنمية وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الشرق الأوسط. أما على الصعيد الدولي، فإن تداعيات حرب إيران والاقتصاد العالمي ستظهر جلية في ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، مما يضغط على ميزانيات الدول المستوردة للطاقة. وقد أكدت منظمة (OECD) ومقرها باريس، أن الاقتصاد العالمي كان يسير بخطى ثابتة نحو نمو قوي قبل تصاعد هذه التوترات، مدعوماً بانخفاض الرسوم الجمركية والاستثمارات التكنولوجية، إلا أن شبح الحرب يهدد بتبديد هذه المكاسب بالكامل، مما يضع صناع القرار أمام تحديات غير مسبوقة للسيطرة على الأسعار.
توقعات قاتمة للنمو والتضخم في الاقتصادات الكبرى
في تفاصيل تقريرها، رسمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية صورة تشاؤمية للمستقبل القريب. فمن المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 3.3% في العام الماضي إلى 2.9% بحلول عام 2026، قبل أن يشهد تعافياً طفيفاً ليصل إلى 3% في عام 2027. هذا التراجع يعود بشكل أساسي إلى الارتفاع الجنوني المتوقع في أسعار الطاقة والطبيعة غير المتوقعة للنزاع.
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، تتوقع المنظمة أن يقفز معدل التضخم الرئيسي إلى 4.2% في عام 2026، بزيادة قدرها 1.2 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة، مما سيجبر البنك المركزي الأمريكي على اتخاذ سياسات نقدية أكثر صرامة. وفي الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، سيتباطأ النمو إلى 4.4% في 2026 و4.3% في 2027، وهو ما يتماشى مع التقديرات السابقة للمنظمة ولكن في بيئة عالمية أكثر هشاشة.
أما في القارة الأوروبية، فإن التأثير سيكون أشد وطأة؛ حيث يُتوقع أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو إلى 0.8% فقط في عام 2026. وتأتي هذه الانتكاسة نتيجة التأثير السلبي المباشر لارتفاع أسعار الطاقة على النشاط الصناعي والاقتصادي، قبل أن يعاود الارتفاع إلى 1.2% في عام 2027، مدعوماً بشكل أساسي بزيادة الإنفاق الدفاعي والعسكري استجابة للتهديدات الأمنية المتزايدة.


