في خطوة استراتيجية تهدف إلى الارتقاء ببيئة العمل وحفظ حقوق جميع الأطراف، طرحت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المملكة العربية السعودية مسودة مشروع تعديل لائحة العمالة المنزلية الجديدة عبر منصة “استطلاع”. يستمر هذا الطرح لمدة ثلاثين يوماً، ويهدف إلى تنظيم العلاقة التعاقدية بشكل دقيق، من خلال تحديد ساعات العمل بعشر ساعات يومياً، وإقرار مكافأة نهاية الخدمة، مما يعكس التزام المملكة بتطوير تشريعاتها العمالية بما يتوافق مع المعايير الدولية.
السياق التاريخي وتطور التشريعات العمالية في المملكة
تأتي هذه التعديلات امتداداً لسلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي يشهدها سوق العمل السعودي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030. ففي السنوات الماضية، عملت المملكة بجد على تحسين بيئة العمل من خلال مبادرات متعددة مثل نظام حماية الأجور ومبادرة تحسين العلاقة التعاقدية. واليوم، تمتد هذه الإصلاحات لتشمل قطاع العمالة المنزلية، وهو قطاع حيوي يمس شريحة واسعة من الأسر السعودية والمقيمين. استندت الوزارة في صياغة هذه التعديلات إلى المادة السابعة من نظام العمل، وإلى مقارنات معيارية دقيقة شملت دول مجلس التعاون الخليجي، المملكة المتحدة، سنغافورة، ودول الاتحاد الأوروبي، لضمان تبني أفضل الممارسات العالمية في إدارة الموارد البشرية.
أبرز بنود لائحة العمالة المنزلية الجديدة: العمر وساعات العمل
كشفت تفاصيل المسودة عن قرارات حاسمة تمنع تشغيل من تقل أعمارهم عن 21 عاماً، في خطوة تهدف إلى ضمان النضج الكافي للعمالة الوافدة وتقليل نسب الحوادث أو سوء الفهم. كما حظرت اللائحة بشكل قاطع على أصحاب العمل الاحتفاظ بجوازات سفر العمالة أو أي من أوراقهم الثبوتية ومتعلقاتهم الشخصية، مما يعزز من حرية العامل وكرامته. وأوضح المشروع التنظيمي أن ساعات العمل الفعلية يجب ألا تتجاوز 10 ساعات في اليوم الواحد، مع إلزام أصحاب العمل بدفع أجر إضافي عن أي ساعات عمل تتخطى ما هو متفق عليه في العقد المبرم بين الطرفين.
الراحة الأسبوعية ومكافأة نهاية الخدمة والإجازات
لضمان الصحة البدنية والنفسية للعامل، أشار التنظيم المقترح إلى حق العمالة في الحصول على راحة أسبوعية مدفوعة الأجر لا تقل عن 24 ساعة متتالية، بالإضافة إلى وجوب منحه فترة راحة يومية متواصلة تبلغ 8 ساعات على الأقل. وفيما يخص الحقوق المالية المتراكمة، بيّنت اللائحة استحقاق العمالة المنزلية لمكافأة نهاية خدمة تعادل أجر شهر واحد عن كل أربع سنوات متتالية من العمل. فضلاً عن ذلك، يُمنح العامل تذكرة سفر ذهاباً وإياباً وإجازة مدفوعة الأجر لمدة 30 يوماً كل عامين. كما أضافت الوثيقة أحقية العامل في إجازة مرضية تصل إلى 30 يوماً بناءً على تقرير طبي معتمد، تُوزع بين 15 يوماً بأجر كامل و15 يوماً بنصف الأجر، مع إلزام صاحب العمل بتوفير الرعاية الصحية اللازمة.
فترة التجربة ومسؤوليات مكاتب الاستقدام
لضمان حقوق صاحب العمل وحمايته من أي تقصير، لفتت المادة الرابعة عشرة إلى إخضاع العامل لفترة تجربة تبلغ 90 يوماً. وخلال فترة العمل، تم تقييد حق صاحب العمل في الحسم من الأجر بما لا يتجاوز ربع الراتب، ومحصورة في حالات محددة كإتلاف الممتلكات الموثق نظامياً. من جهة أخرى، تطرقت التنظيمات إلى مسؤوليات شركات ومكاتب الاستقدام، حيث ألزمتها بتوفير سكن لائق للعامل لمدة سنتين من تاريخ وصوله للمملكة في حال رفضه للعمل أو انقطاعه عنه، مما يمنع تكدس العمالة غير النظامية في الشوارع أو لجوئهم للعمل غير القانوني.
الأثر المتوقع للتنظيمات الجديدة محلياً ودولياً
من المتوقع أن تُحدث هذه التعديلات تأثيراً إيجابياً واسع النطاق. على الصعيد المحلي، ستساهم اللائحة في استقرار سوق العمالة المنزلية، وتقليل النزاعات العمالية، وبناء علاقة تعاقدية قائمة على الشفافية والاحترام المتبادل. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذا التنظيم يرسخ مكانة المملكة كدولة رائدة في حماية حقوق العمالة ومكافحة الاتجار بالبشر. وقد حذر التشريع الجديد بصرامة من أي ممارسات تتعلق بالعمل السخرة، مقراً تعويضاً مالياً يعادل أجر شهرين بحد أقصى في حال إنهاء العقد من أحد الطرفين لسبب غير مشروع. كما أكدت اللائحة توجيه الغرامات المفروضة إلى حساب بنكي مخصص للمساهمة في تمويل عمليات إيواء العمالة المنزلية وترحيلها، مما يعكس نهجاً مؤسسياً متكاملاً ومستداماً في إدارة هذا الملف الهام.


