سجلت وزارة البيئة والمياه والزراعة في المملكة العربية السعودية، وتحديداً في فرع المنطقة الشرقية، إنجازاً زراعياً لافتاً حيث بلغت إنتاجية التوت الأسود داخل البيوت المحمية نحو 5.26 كيلوجرام للمتر المربع الواحد خلال الموسم الربيعي. يأتي هذا النجاح ثمرة لاستخدام تقنيات التطعيم الحديثة والممارسات الزراعية المتقدمة، مما يساهم بشكل مباشر في تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتعزيز نسب الاكتفاء الذاتي، ودعم منظومة الأمن الغذائي في المملكة. وتشهد زراعة هذه الفاكهة توسعاً متسارعاً مدفوعاً بالتطور التقني وتنوع الأصناف لتلبية الطلب المحلي المتزايد، مما يوفر محاصيل ذات قيمة غذائية واقتصادية عالية.
التطور التاريخي للزراعة المحمية في المملكة
بالعودة إلى السياق العام والخلفية التاريخية للقطاع الزراعي في المملكة العربية السعودية، نجد أن الزراعة كانت تعتمد لعقود طويلة على الطرق التقليدية التي واجهت تحديات قاسية بسبب الطبيعة الصحراوية وندرة المياه. ومع انطلاق رؤية السعودية 2030، تبنت الدولة استراتيجيات حديثة للتحول نحو الزراعة الذكية والبيوت المحمية. هذا التحول التاريخي مكن المزارعين من التحكم في المناخ الداخلي للمحميات، مما وفر بيئة مثالية لزراعة محاصيل لم تكن مألوفة محلياً بنفس الجودة والكثافة، مثل التوتيات. وقد أثبتت هذه التقنيات قدرتها على تجاوز عقبات الحرارة والجفاف، لتصبح المنطقة الشرقية اليوم نموذجاً يحتذى به في استغلال الموارد بكفاءة عالية.
الأبعاد الاقتصادية لارتفاع إنتاجية التوت الأسود
لا يقتصر نجاح هذا المحصول على الجانب الزراعي فحسب، بل يمتد ليشمل تأثيرات اقتصادية واسعة النطاق. محلياً، تساهم زيادة إنتاجية التوت الأسود في خلق فرص عمل جديدة ودعم المزارعين لزيادة مداخيلهم، بالإضافة إلى تنشيط السياحة الزراعية في مناطق مثل القطيف والأحساء. وإقليمياً، يعزز هذا الإنتاج من مكانة المملكة كدولة قادرة على تحقيق الأمن الغذائي في ظل التحديات المناخية العالمية، مما يقلل من فاتورة الاستيراد ويوفر عملة صعبة. كما أن توفير منتج محلي طازج وعالي الجودة يضمن للمستهلكين الحصول على فوائد غذائية مضاعفة مقارنة بالمنتجات المستوردة التي تقطع مسافات طويلة قبل وصولها للأسواق.
تنوع الأصناف وتقنيات التطعيم المبتكرة
أوضح المهندس وليد الشويرد، مدير إدارة الزراعة بفرع الوزارة بالشرقية، أن التوت يُعد من الفواكه الربيعية المبكرة التي تتميز بتعدد أصنافها وألوانها. وتشمل الأصناف المحلية التوت الأبيض الحلو، والأحمر المتدرج للداكن، والأسود الغني بمضادات الأكسدة، والبنفسجي. وتتغير نكهة هذه الثمار تدريجياً من الحموضة إلى الحلاوة مع اكتمال نضجها، مما يجعلها محببة لمختلف الفئات العمرية. ولتحقيق أقصى استفادة، يعتمد المزارعون على تقنيات التطعيم لإنتاج ثمار مختلفة الألوان والأحجام على شجرة واحدة. كما تم إدخال أنواع تتحمل الحرارة والجفاف، مثل التوت التركي المعروف بإنتاجه الغزير وطعمه الحلو. ويبدأ موسم الإزهار والإثمار فعلياً من منتصف مارس ويستمر حتى أوائل مايو.
تحديات الزراعة وطرق المكافحة العضوية
رغم هذه النجاحات، تواجه حقول التوت تحديات زراعية مستمرة تتمثل في الآفات الحشرية مثل الذباب الأبيض، العناكب، ودودة التوت. ولحماية المحصول، يستدعي الأمر تدخلاً زراعياً مبكراً عبر آليات وقائية. تبدأ خطوات المكافحة بالزراعة الطبيعية لنباتات طاردة للحشرات مثل النعناع، الريحان، والبصل حول الشجيرات، مدعومة بتغطية النباتات بشباك خاصة. كما يلعب الري المعتدل والتصريف الجيد دوراً حاسماً في منع تراكم الرطوبة الجاذبة للآفات. ويُسهم التقليم المنتظم في تهوية الأشجار وتقليص بؤر التكاثر الحشري. ولضمان سلامة المستهلك، تُستخدم المبيدات العضوية الآمنة بيئياً، كمحلول الثوم وزيت النيم، لطرد الحشرات بكفاءة، مما يضمن وصول محصول نظيف وعالي الجودة للأسواق.


