سجل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة إنجازاً طبياً جديداً يضاف إلى سجل المملكة العربية السعودية الحافل بالنجاحات، حيث أعلن عن نجاح عملية سحب القولون بتقنية “سونسن” (Swenson) المتقدمة، وذلك باستخدام تقنيات الجراحة الروبوتية الدقيقة. أُجريت هذه الجراحة المعقدة لطفل يبلغ من العمر عامين فقط، ولا يتجاوز وزنه 10 كيلوجرامات، والذي كان يعاني من داء “هيرشسبرونغ” (Hirschsprung’s disease)، وهو اضطراب خِلقي نادر يؤثر بشكل مباشر على وظائف الأمعاء.
طبيعة داء هيرشسبرونغ وتأثيره على الأطفال
يُعد داء هيرشسبرونغ من الحالات الطبية النادرة التي يولد بها الطفل، وتتمثل المشكلة الأساسية في غياب الخلايا العصبية (العقدية) في جزء من الأمعاء الغليظة. هذا النقص يعيق حركة الأمعاء بصورة طبيعية، مما يحد من قدرتها على أداء وظيفتها في دفع الفضلات. وفي حال تأخر التدخل الطبي، قد يتفاقم الوضع الصحي للمريض ليؤدي إلى انسداد معوي حاد ومضاعفات خطيرة تهدد حياة الطفل. تاريخياً، كانت معالجة هذا الداء تتطلب تدخلات جراحية مفتوحة تترك ندبات كبيرة وتستغرق فترة تعافي طويلة، إلا أن التطور الطبي الحديث غيّر مسار العلاج جذرياً.
دقة متناهية في إجراء عملية سحب القولون
تتسم عملية سحب القولون للأطفال بدرجة عالية جداً من التعقيد. يعود ذلك بشكل رئيسي إلى ضيق الحوض وصغر المساحة المتاحة للعمل الجراحي داخل جسم طفل يبلغ من العمر عامين. إضافة إلى ذلك، فإن منطقة التدخل الجراحي تقع على مقربة شديدة من الأعصاب، والعضلات، والأوعية الدموية الحيوية المرتبطة بوظيفة الإخراج. تعتمد تقنية “سونسن” المعتمدة في هذا الإجراء على استئصال الجزء المصاب من القولون الذي يفتقر إلى الخلايا العصبية، ثم إعادة توصيل الجزء السليم مباشرة بفتحة الشرج. يتطلب هذا الإجراء دقة استثنائية في التعامل مع الأنسجة المحيطة والمحافظة على سلامتها، لضمان تحقيق نتائج علاجية مستقرة ومستدامة بعد الجراحة.
الجراحة الروبوتية: نقلة نوعية في الطب الحديث
شكلت الجراحة الروبوتية ثورة حقيقية في عالم الطب، لا سيما في تخصص جراحة الأطفال الدقيقة. فمن خلال استخدام الروبوت الجراحي، يتمكن الجراحون من تنفيذ التدخلات المعقدة بدقة متناهية تتجاوز قدرة اليد البشرية وحدها. يوفر الروبوت رؤية ثلاثية الأبعاد عالية الوضوح ومكبرة لموضع العملية، مما يقلل من احتمالية حدوث مضاعفات، ويقلص من حجم الشقوق الجراحية، وبالتالي تسريع فترة استشفاء المريض وعودته لممارسة حياته الطبيعية.
الأثر الإقليمي والدولي للرعاية الصحية السعودية
لا يقتصر نجاح هذا الإجراء الطبي على كونه إنقاذاً لحياة طفل، بل يحمل دلالات أعمق تعكس التطور المتسارع لقطاع الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية. على المستوى المحلي، يعزز هذا الإنجاز من ثقة المواطنين والمقيمين في الكفاءات الطبية الوطنية، ويقلل من الحاجة للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج المعقد. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإنه يرسخ مكانة المملكة كوجهة رائدة للسياحة العلاجية والابتكار الطبي، متماشياً مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تضع صحة الإنسان وجودة الحياة في صدارة أولوياتها.
تصنيفات عالمية تؤكد ريادة مستشفى الملك فيصل التخصصي
يأتي هذا الإنجاز امتداداً لنهج مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في تبني أحدث التقنيات الطبية المتقدمة وتوظيفها في علاج الحالات المستعصية. وتتويجاً لهذه الجهود، صُنف المستشفى في المركز الأول على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والمركز الـ 12 عالمياً ضمن قائمة أفضل 250 مؤسسة رعاية صحية أكاديمية حول العالم لعام 2026. كما حصد لقب العلامة التجارية الصحية الأعلى قيمة في المملكة والشرق الأوسط بحسب تقرير “براند فاينانس” (Brand Finance) لعام 2025. علاوة على ذلك، أُدرج المستشفى ضمن قوائم مجلة “نيوزويك” (Newsweek) المرموقة لأفضل المستشفيات في العالم لعام 2025، وأفضل المستشفيات الذكية، وأفضل المستشفيات المتخصصة لعام 2026، مما يؤكد التزامه المستمر بتقديم رعاية صحية تخصصية ترقى لأعلى المعايير العالمية.


