شهد إنتاج السعودية من العسل تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، حيث سجل قفزة استثنائية ليصل إلى 7800 طن سنوياً. وتأتي هذه الأرقام المبشرة لتؤكد نجاح الخطط الاستراتيجية التي تتبناها المملكة بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”. وتهدف هذه الجهود إلى الوصول لحجم إنتاج يبلغ 10 آلاف طن خلال السنوات الخمس المقبلة، معتمدة في ذلك على مليون خلية نحل محلية تمتاز بقدرتها العالية على مقاومة أقسى الظروف المناخية، مما يساهم بشكل مباشر في تعزيز منظومة الأمن الغذائي الوطني.
جذور تربية النحل وتطورها في شبه الجزيرة العربية
تاريخياً، ارتبطت حرفة تربية النحل في شبه الجزيرة العربية بثقافة المنطقة وتراثها الزراعي منذ آلاف السنين. فقد اعتمد الأجداد على السلالات المحلية التي تأقلمت مع طبيعة التضاريس القاسية والمناخ الجاف. وفي هذا السياق، كشف الدكتور رمزي السرحان، خبير تربية النحل في منظمة “الفاو” بالمملكة، عن الانتهاء بنجاح من المرحلة الأولى لمشروع حماية السلالة المحلية للنحل. وأشار إلى الاستعداد التام لإطلاق المرحلة الثانية، والتي تهدف إلى ضمان استدامة هذا القطاع الحيوي، بما يتماشى مع المستهدفات الشاملة لـ “رؤية السعودية 2030” التي تولي اهتماماً بالغاً بالزراعة المستدامة وإحياء التراث الزراعي بأساليب حديثة.
الأثر الاقتصادي لزيادة إنتاج السعودية من العسل
يحمل هذا النمو المتسارع في إنتاج السعودية من العسل أهمية اقتصادية كبرى على المستويين المحلي والإقليمي. فمن الناحية المحلية، أوضح الدكتور السرحان أن الاستهلاك المحلي المرتفع يتطلب توفير حوالي 25 ألف طن سنوياً. هذا الطلب المتزايد دفع القطاع الزراعي إلى تبني تقنيات حديثة ومبتكرة أدت إلى مضاعفة الإنتاج السابق الذي لم يكن يتجاوز حاجز الـ 3 آلاف طن. وعلى الصعيد الإقليمي، يعزز هذا التطور من مكانة المملكة كدولة رائدة في تبني التقنيات الزراعية الحديثة في بيئات صحراوية، مما يفتح آفاقاً مستقبلية لتقليل الاعتماد على الواردات وتحقيق اكتفاء ذاتي نسبي يدعم الاقتصاد الوطني.
استثمار التنوع المناخي ومواسم التزهير
لتحقيق هذه القفزات، بيّن الخبير الأممي أنه يتم الاعتماد على وجود مليون طرد مستورد لدعم مواسم التزهير التسعة المنتشرة في مختلف مناطق المملكة. هذا التنوع المناخي والجغرافي الفريد يتيح للنحال النشط استغلال الفرص لإنتاج العسل على مدار العام، مما يعزز العوائد الاقتصادية. ولم يقتصر التطور على زيادة الكمية فحسب، بل شمل نجاح الجهود المبذولة لرفع الوعي لدى النحالين. فقد تحولت وجهتهم من التركيز الحصري على إنتاج العسل إلى استثمار كافة منتجات الخلية الشاملة، مثل حبوب اللقاح، شمع النحل، غذاء الملكات، وسم النحل، والتي تشكل جميعها قيمة اقتصادية مضافة ومرتفعة في الأسواق العالمية.
تمكين المرأة السعودية في الصناعات التحويلية
في خطوة تعكس شمولية التطور في هذا القطاع، أشاد السرحان بالدور البارز الذي باتت تلعبه النحالات السعوديات. فقد سجلن دخولاً قوياً ومؤثراً في خطوط الإنتاج النوعي، وأسهمن بشكل فعال في ابتكار صناعات تحويلية متقدمة تعتمد على منتجات النحل. وتشمل هذه الصناعات إنتاج الشموع الطبيعية، صناعة الصابون العضوي، ومستحضرات التجميل الطبيعية. وتعد هذه الخطوة تجسيداً حقيقياً لجهود تمكين المرأة في قطاع الزراعة، مما يضيف بعداً اجتماعياً واقتصادياً هاماً يعزز من استدامة القطاع وتطوره المستمر.


