في خطوة تعكس التزام المملكة العربية السعودية الراسخ بحماية مواردها الطبيعية، طرحت وزارة البيئة والمياه والزراعة، عبر منصة “استطلاع”، مشروع تحديث لائحة البيئة البحرية (التي تُعرف رسمياً باللائحة التنفيذية للإدارة المستدامة للبيئة البحرية والساحلية). يهدف هذا التحديث الجوهري إلى الحد من التأثيرات السلبية للأنشطة البشرية، وتطوير آليات الرقابة لضمان حماية النظم البيئية في المملكة، بما يتماشى مع أعلى المعايير العالمية.
السياق الاستراتيجي لإصدار لائحة البيئة البحرية
تتمتع المملكة العربية السعودية بشريط ساحلي ممتد على البحر الأحمر والخليج العربي، وهما من أهم المسطحات المائية التي تحتضن تنوعاً بيولوجياً فريداً يشمل الشعاب المرجانية النادرة، وغابات المانغروف، والعديد من الكائنات البحرية المهددة بالانقراض. تاريخياً، شكلت الأنشطة البشرية غير المنظمة والتطور الصناعي السريع تحدياً كبيراً لهذه الموائل الحساسة. ومن هنا، جاءت رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء لتضع الاستدامة البيئية في صميم السياسات الوطنية. إن تحديث اللائحة يأتي تتويجاً لهذه الجهود المؤسسية، حيث يسعى إلى سد الفجوات التنظيمية السابقة وتأسيس إطار قانوني متين يضمن استغلال الموارد البحرية دون الإضرار بتوازنها الطبيعي.
إفصاح إلزامي وتقييم شامل للمخاطر
تتضمن اللائحة المحدثة بنوداً صارمة تلزم جميع الأنشطة الراغبة في الحصول على تصريح بيئي بضرورة الإفصاح الكامل والشفاف عن أي مخاطر محتملة قد تهدد الكائنات الفطرية وموائلها الطبيعية، وذلك لضمان استدامتها للأجيال القادمة. ويشمل هذا الإفصاح تقديم دراسات دقيقة حول الآثار الناشئة خلال المواسم البيئية الحساسة، مثل مواسم التكاثر وفترات هجرة الطيور والكائنات البحرية. كما شددت اللائحة على ضرورة إدراج هذه المعلومات التفصيلية ضمن دراسات تقييم الأثر البيئي والتدقيق البيئي قبل البدء في أي عمليات تشغيلية على السواحل أو في المياه الإقليمية.
صلاحيات واسعة وتدابير وقائية حازمة
منحت التشريعات الجديدة صلاحيات واسعة ومهمة للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، والمؤسسة العامة للمحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر (شمس). تتيح هذه الصلاحيات اتخاذ تدابير تنظيمية حازمة وفورية عند رصد أي مخاطر بيئية جسيمة. وعلاوة على ذلك، يجوز للجهات المختصة، بالتنسيق المباشر مع المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، فرض قيود مؤقتة أو حتى تعليق الأنشطة بالكامل لحماية البيئة البحرية. وتُعتبر هذه الإجراءات تدابير وقائية استباقية تهدف إلى درء الخطر قبل وقوعه، وليست مجرد إجراءات عقابية بأثر رجعي.
الأثر المتوقع على المستويين المحلي والدولي
يحمل تطبيق هذه اللائحة أهمية كبرى وتأثيراً إيجابياً واسع النطاق. على الصعيد المحلي، سيساهم التنظيم الصارم في تعافي المخزون السمكي وحماية الموائل التي تعتمد عليها مشاريع السياحة البيئية الكبرى، مثل مشروع البحر الأحمر، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويخلق فرص عمل مستدامة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن التزام المملكة بتطبيق معايير بيئية صارمة يعزز من مكانتها كدولة رائدة في مجال حماية البيئة في الشرق الأوسط، ويدعم الجهود العالمية المتمثلة في المعاهدات الدولية لحماية التنوع البيولوجي ومكافحة التغير المناخي.
ضوابط صارمة لتراخيص الصيد والأنشطة البحثية
حددت اللائحة ضوابط دقيقة وصارمة لتنظيم تراخيص الصيد، حيث اشترطت أن تكون التراخيص شخصية وغير قابلة للتنازل للغير. كما تضمنت شرطاً أساسياً يتمثل في خلو سجل المتقدم من ارتكاب أكثر من مخالفتين بيئيتين خلال السنتين الماضيتين كحد أقصى. وتتولى الجهة المعنية البت في طلبات تراخيص الصيد خلال عشرة أيام عمل، على أن تتضمن التراخيص بيانات تفصيلية تحدد وسائل الصيد المسموح بها، والكميات المقررة، والنطاق الجغرافي المحدد، لفترة زمنية لا تتجاوز العام الواحد.
وفي الجانب العلمي والبحثي، ألزمت اللائحة الباحثين والمؤسسات بالحصول على ترخيص مسبق قبل الشروع في جمع العينات البحرية. واشترطت اقتصار الجمع على الحد الأدنى الضروري للدراسة، مع ضرورة توضيح ملكية نتائج الأبحاث للعينات التي يتم تصديرها إلى خارج المملكة، لضمان حفظ الحقوق الوطنية في الموارد الجينية والبيولوجية.
تنظيم الرياضات المائية وتداول المعلومات
لضمان حوكمة البيانات، حظرت التعليمات الجديدة نشر أي بيانات أو دراسات تتعلق بالبيئة البحرية دون الحصول على موافقة خطية ورسمية من الوزارة. يهدف هذا الإجراء إلى تنظيم تداول المعلومات المرتبطة بالموارد الطبيعية للمملكة بآلية رسمية وموثوقة. كما امتدت التنظيمات لتشمل قطاع الترفيه والسياحة، حيث منعت إقامة مسابقات أو فعاليات للوسائط البحرية ذات المحركات، أو ممارسة أنشطة الغوص التجاري والترفيهي، دون الحصول على تصريح بيئي مسبق، وذلك لضمان عدم الإضرار بالموائل الحساسة والشعاب المرجانية التي تستغرق عقوداً للنمو والتعافي.


