تترقب الأسواق المالية والاقتصادية حول العالم باهتمام بالغ اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المقرر عقده يومي 17 و18 مارس الجاري، وذلك لحسم مسار أسعار الفائدة. يأتي هذا الاجتماع الحاسم في وقت يواجه فيه البنك المركزي الأمريكي مجموعة متشابكة من العوامل المعقدة والمتضاربة التي تلقي بظلالها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي على حد سواء. وتتجه أنظار المستثمرين نحو هذا القرار لمعرفة ما إذا كان الفيدرالي سيبقي على سياسته النقدية المتشددة أم سيبدأ في التلميح إلى تيسير نقدي قريب.
السياق التاريخي لمسار أسعار الفائدة الأمريكية
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية القريبة للسياسة النقدية الأمريكية. فمنذ أوائل عام 2022، بدأ الاحتياطي الفيدرالي سلسلة من الزيادات العنيفة والمتتالية في أسعار الفائدة للسيطرة على معدلات التضخم التي وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ أربعة عقود. وبعد نجاح نسبي في كبح جماح التضخم واقترابه تدريجياً من الهدف المعلن البالغ 2%، لجأ الفيدرالي إلى سياسة التثبيت والمراقبة. هذا النهج الحذر يهدف إلى ضمان عدم عودة الضغوط التضخمية من جديد، وفي الوقت نفسه تجنب إدخال الاقتصاد الأمريكي في ركود عميق نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض لفترات طويلة.
تأثير التوترات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي
لا يتخذ الفيدرالي قراراته في معزل عن الأحداث العالمية. فالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بما في ذلك الصراعات في الشرق الأوسط والمخاوف المتعلقة بتداعيات التوترات الإقليمية، تلعب دوراً محورياً في تشكيل المشهد الاقتصادي. هذه الصراعات تهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية وتؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار الطاقة، وخاصة النفط. وأي ارتفاع مفاجئ في أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمية، مما يعقد مهمة البنوك المركزية ويجعلها أكثر تردداً في خفض الفائدة.
التداعيات المتوقعة لقرار أسعار الفائدة محلياً ودولياً
يحمل قرار الفيدرالي أهمية قصوى تتجاوز حدود الولايات المتحدة. على الصعيد المحلي الأمريكي، بقاء الفائدة مرتفعة يعني استمرار ارتفاع تكلفة القروض العقارية والتجارية، مما يهدئ من وتيرة النمو الاقتصادي ولكنه يدعم قوة الدولار. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن الأسواق الناشئة تتأثر بشدة، حيث يؤدي الدولار القوي إلى زيادة أعباء ديونها الخارجية وتخارج الاستثمارات الأجنبية. وفي منطقة الشرق الأوسط، ترتبط معظم عملات دول مجلس التعاون الخليجي بالدولار الأمريكي، مما يدفع بنوكها المركزية عادةً إلى اقتفاء أثر الفيدرالي في قرارات أسعار الفائدة للحفاظ على استقرار الصرف.
توقعات الأسواق وتصريحات جيروم باول المرتقبة
تشير التوقعات الحالية للأسواق إلى احتمال شبه معدوم لخفض الفائدة في هذا الاجتماع أو في المستقبل القريب. وتظهر بيانات أسعار العقود الآجلة أن صناع السياسة النقدية قد لا ينظرون في أي تيسير نقدي قبل شهر سبتمبر أو ربما أكتوبر المقبلين، وحتى في ذلك الحين، قد يقتصر الأمر على خفض واحد فقط خلال هذا العام. ويُرجح أن يُبقي الفيدرالي على سياسته النقدية دون تغيير، محافظاً على النطاق المستهدف الحالي.
وفي هذا السياق، صرح “بي تشن لين”، كبير استراتيجيي الاستثمار في إحدى الشركات المالية البارزة، بأن قرار التثبيت في اجتماع مارس يبدو شبه مؤكد، مؤكداً أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بوضع قوي، مما يقلل من احتمالية الخفض السريع. وعليه، ستتجه كل الأنظار إلى المؤتمر الصحفي لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، حيث ستبحث الأسواق بحذر شديد عن أي تلميحات أو إشارات حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية، خاصة في ظل المؤشرات المتضاربة من سوق العمل ومخاوف التضخم المستمرة.


