في قلب عروس البحر الأحمر، تتألق جدة التاريخية المعروفة بـ«البلد» كشاهد حي على عراقة الماضي وتطلعات المستقبل. حيث تتعانق الرواشين الخشبية العتيقة مع الأزقة الضيقة التي تحفظ ذاكرة المكان، يروي المرشدون السياحيون حكاية تحول استثنائي شهدته المنطقة. جاء هذا التحول ثمرة لإطلاق مشروع إعادة تأهيل المنطقة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030. ومع حلول ذكرى بيعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، يؤكد الخبراء أن ما تشهده المنطقة اليوم يمثل نموذجاً ملهماً لنهج المملكة في الحفاظ على إرثها الحضاري وتحويله إلى قوة ثقافية وسياحية واقتصادية.
الجذور العميقة: الأهمية الاستراتيجية لـ جدة التاريخية عبر العصور
لم تكن هذه المنطقة مجرد بقعة جغرافية عادية، بل شكلت منذ فجر التاريخ الإسلامي البوابة الرئيسية لاستقبال الحجاج والمعتمرين القادمين بحراً إلى الأراضي المقدسة. تاريخياً، برزت كمركز تجاري محوري يربط قارات العالم القديم، حيث كانت تعبرها قوافل التجارة المحملة بالتوابل والبضائع من الهند وشرق آسيا قبل إعادة تصديرها إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط. هذا التمازج الثقافي والتجاري أنتج طرازاً معمارياً حجازياً فريداً يعتمد على الحجر المنقبي والأخشاب المزخرفة، مما أهلها لتسجيلها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو في عام 2014، ليكون ذلك اعترافاً دولياً بقيمتها الإنسانية والحضارية العميقة.
مشروع حضاري يعكس عمق التاريخ السعودي
يوضح المستشار الهندسي والمرشد السياحي طلال بن عبدالله سمرقندي أن مشروع الحفاظ على المنطقة يعد من أبرز المشاريع الحضارية التي انطلقت في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين. ويؤكد أن المشروع يجسد وفاءً عميقاً للتاريخ السعودي وإيماناً بأهمية صون الإرث الثقافي للأجيال القادمة. ويضيف سمرقندي أن برنامج إعادة الإحياء، الذي تشرف عليه وزارة الثقافة، لا يقتصر على ترميم المباني القديمة، بل يعيد صياغة المشهد الحضري والثقافي لتتحول المنطقة من حارات تاريخية إلى منصة عالمية للتبادل الثقافي ووجهة سياحية مستدامة.
مساحة ضخمة تحتضن التراث وتخلق أثراً اقتصادياً واعداً
تغطي المنطقة مساحة تقارب 2.4 مليون متر مربع، وتضم نحو 650 مبنى تراثياً، إضافة إلى خمسة أسواق تاريخية عريقة و36 مسجداً تاريخياً يعود بعضها إلى بدايات العهد الإسلامي، فضلاً عن 16 رباطاً خيرياً. هذا التنوع العمراني والإنساني جعل من «البلد» قلب جدة النابض. وتشير التقديرات إلى أن المشروع سيحقق بحلول عام 2030 نتائج اقتصادية وسياحية بارزة، من بينها استقطاب نحو 15 مليون زيارة سنوياً، والمساهمة بأكثر من 43 مليار ريال في الناتج المحلي، إلى جانب توفير نحو 40 ألف فرصة عمل، وتهيئة مساحات تجارية وفندقية ضخمة تعزز من الاقتصاد المحلي وتدعم المجتمع.
الأبعاد الإقليمية والدولية: واجهة سياحية تعزز مكانة المملكة
من جهته، يوضح المرشد السياحي محمد قاري بخاري أن «البلد» تمثل القلب التاريخي للمدينة ومحورها الاجتماعي والاقتصادي. ويؤكد أن التأثير المتوقع لهذا التطوير يتجاوز الحدود المحلية ليصنع أثراً إقليمياً ودولياً بالغ الأهمية. فعلى الصعيد الإقليمي، تعزز المنطقة مكانة المملكة كوجهة رائدة للسياحة الثقافية في الشرق الأوسط، جاذبةً عشاق التراث والفنون. أما دولياً، فإن تحويل هذه البيوت التي يتجاوز عمر بعضها 500 عام إلى متاحف وفنادق تراثية، يقدم للعالم نموذجاً سعودياً فريداً في الاستدامة الثقافية، مما يرفع من مؤشرات السياحة الدولية الوافدة للمملكة ويدعم التواصل الحضاري بين الشعوب.
متحف مفتوح يجمع بين الأصالة وطموح المستقبل
تؤكد المرشدة السياحية مروة الصعيدي أن المشروع يمثل نقلة نوعية في الحفاظ على التراث العمراني الحجازي، مشيرة إلى انبهار الزوار من مختلف دول العالم بدقة أعمال الترميم وحرص القائمين على إبراز التفاصيل المعمارية الأصيلة كالرواشين الخشبية. وفي ذات السياق، تشير المرشدة السياحية بدور سمان إلى أن توجيهات سمو ولي العهد ركزت على الاستدامة الثقافية، حيث تحولت المنطقة إلى متحف مفتوح يتنفس بالزوار. وتختتم سمان حديثها بالتأكيد على الفخر بامتلاك منتج سياحي عالمي ينافس أعرق المدن التاريخية، بفضل قيادة ملهمة آمنت بأن التراث هو الثروة الحقيقية والنافذة التي تطل بها المملكة على العالم.


