شهدت الأسواق العالمية تطوراً دراماتيكياً حيث ارتفعت أسعار النفط اليوم الخميس لتلامس مستوى 100 دولار للبرميل. جاء هذا الارتفاع الحاد بعد مرور 24 ساعة فقط على إعلان وكالة الطاقة الدولية سحب 400 مليون برميل من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي لمجموعة الدول السبع، في محاولة عاجلة للسيطرة على تقلبات السوق واحتواء الأزمة.
وأوضحت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الصادر يوم الخميس أن الصراع الدائر في إيران يُحدث حالياً أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي. وأشارت الوكالة إلى أن حوالي 7.5% من الإمدادات العالمية قد تأثرت بالفعل جراء هذه الأحداث المتسارعة. وفي هذا السياق، قفزت العقود الآجلة لخام برنت، المعيار الدولي، بأكثر من 7% لتتداول عند حوالي 99 دولاراً، بعد أن تجاوزت لفترة وجيزة حاجز 100 دولار للبرميل خلال التداولات الليلية. كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 9% ليتداول فوق 95 دولاراً.
التوترات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على أسعار النفط
لم يكن هذا الارتفاع وليد اللحظة، بل هو نتيجة مباشرة لتصاعد وتيرة التوترات الأمنية. فقد تعرضت ناقلات نفط وسفن تجارية أخرى لهجمات متتالية في مضيق هرمز ومحيطه طوال يومي الأربعاء والخميس. هذا التصعيد رفع إجمالي عدد السفن التي تعرضت للهجوم منذ بداية الأزمة إلى 16 سفينة على الأقل. بالتوازي مع ذلك، كثفت إيران استهدافها للموانئ والبنى التحتية الرئيسية في جميع أنحاء المنطقة، وتزامن ذلك مع تقارير عن انفجارات في مستودعات الوقود التابعة لها، مما أدى إلى تغطية سماء طهران بسحب كثيفة من الدخان المشبع بالنفط.
الجذور التاريخية لأزمات الطاقة العالمية
تُعيد هذه الأحداث المتسارعة إلى الأذهان الصدمات النفطية الكبرى التي شهدها العالم في العقود الماضية. فمنذ حظر النفط في السبعينيات، مروراً بحرب الخليج في أوائل التسعينيات، أثبتت أسواق الطاقة دائماً حساسيتها المفرطة تجاه الصراعات في منطقة الشرق الأوسط. تاريخياً، كانت أي تهديدات تطال البنية التحتية لإنتاج وتصدير الخام، وخاصة في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، تؤدي إلى موجات تضخمية تضرب الاقتصادات الكبرى، مما يدفع الحكومات للتدخل السريع عبر ضخ احتياطيات استراتيجية لتهدئة الأسواق.
التداعيات الاقتصادية المتوقعة محلياً ودولياً
يحمل هذا الارتفاع المفاجئ تداعيات واسعة النطاق. على الصعيد الدولي، يهدد ارتفاع تكاليف الطاقة بزيادة معدلات التضخم العالمية، مما قد يجبر البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط بدوره على معدلات النمو الاقتصادي. أما إقليمياً ومحلياً، فإن الدول المستوردة للنفط ستواجه ضغوطاً متزايدة على موازناتها العامة وتكاليف الإنتاج الصناعي والنقل. في المقابل، قد تشهد الدول المصدرة للنفط خارج دائرة الصراع زيادة مؤقتة في إيراداتها، إلا أن حالة عدم اليقين قد تحد من هذه المكاسب.
توقعات المؤسسات المالية لمستقبل السوق
ومع استمرار حالة عدم اليقين واضطراب السوق، سارع قسم السلع في بنك “جولدمان ساكس” إلى رفع توقعاته للأسعار ليلة الأربعاء، وذلك للمرة الثالثة منذ اندلاع الأزمة. ويتوقع البنك الآن أن تصل أسعار خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط في الربع الأخير من العام إلى 76 دولاراً و72 دولاراً للبرميل على التوالي، بافتراض استمرار الاضطراب لمدة 30 يوماً. أما في حال امتداد الأزمة واستمرار الاضطراب لمدة 60 يوماً، فإن التوقعات تشير إلى قفزة أكبر لتصل الأسعار إلى 93 دولاراً و89 دولاراً للبرميل على التوالي.


