أوصى سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء، عموم المسلمين في شتى بقاع الأرض بضرورة الجد والاجتهاد في العبادة خلال العشر الأواخر من رمضان. وتأتي هذه الوصية المباركة اقتداءً واهتداءً بسنة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يخص هذه الأيام بمزيد من العناية والاهتمام الروحي. ففي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”. وفي رواية لمسلم: “كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”.
الجذور التاريخية والروحية لمكانة هذه الأيام المباركة
تحمل هذه الأيام مكانة تاريخية وروحية عميقة في الوجدان الإسلامي منذ فجر الرسالة. فقد ارتبطت بنزول القرآن الكريم، وتحديداً في ليلة القدر التي وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بأنها خير من ألف شهر. تاريخياً، كان النبي والصحابة الكرام يتفرغون تماماً في هذه الفترة للعبادة، مبتعدين عن مشاغل الحياة الدنيا، ليؤسسوا بذلك منهجاً روحياً تتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيل. هذا السياق التاريخي العظيم يجعل من هذه الأيام محطة سنوية لتجديد الإيمان، ومراجعة النفس، والتقرب إلى الخالق عز وجل بأخلص الأعمال وأصدق النوايا.
الأثر العميق لإحياء ليالي العشر الأواخر من رمضان على الفرد والمجتمع
لا يقتصر فضل إحياء العشر الأواخر من رمضان على الأجر الفردي وتزكية النفس فحسب، بل يمتد تأثيره الإيجابي ليشمل الأبعاد الاجتماعية والإنسانية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، تعزز هذه الأيام من تلاحم المجتمع من خلال التجمعات الإيمانية في صلوات التراويح والتهجد، وزيادة التكافل الاجتماعي عبر إخراج الصدقات وزكاة الفطر. أما إقليمياً ودولياً، فإن توحد ملايين المسلمين حول العالم في نفس التوقيت لأداء ذات الشعائر، يبرز صورة عظيمة من صور التضامن الإسلامي والسلام الروحي، مما ينعكس إيجاباً على سلوكيات الأفراد وينشر قيم التسامح والمحبة والسكينة في المجتمعات الإنسانية كافة.
هدي النبي في الاعتكاف وتحري ليلة القدر
وأوضح سماحته أن الأحاديث النبوية الشريفة دلت بوضوح على أنه ينبغي تخصيص هذه الأيام بمزيد من العمل والطاعة. ومن أبرز تلك الأعمال إحياء ليلها بالصلاة، والاعتكاف في المساجد. فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله”. وقد بين أهل العلم أن الحكمة من اعتكافه عليه الصلاة والسلام هي الانقطاع عن مشاغل الدنيا، والتفرغ لمناجاة ربه، وتحري ليلة القدر. وامتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان”، يُشرع للمسلمين تكثيف الدعاء والذكر في هذه الليالي الوترية المباركة.
أفضل الدعاء في هذه الليالي المباركة
وأضاف سماحته أنه يُستحب لمن أدرك هذه الليالي العظيمة أن يُكثر من الدعاء المأثور: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”. فقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي قائلة: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ فأرشدها إلى هذا الدعاء الجامع المانع. واختتم وصيته بحثّ نفسه وعموم المسلمين على الاجتهاد في شتى أنواع العبادات من صلاة، وقراءة للقرآن، وصدقات. كما أكد على أهمية الإلحاح في الدعاء للنفس، والوالدين، والأهل، والذرية، ولولاة الأمر، والأوطان، ولجميع المسلمين، مصداقاً لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.


