يشهد الاقتصاد العالمي تحولات جذرية في الوقت الراهن، حيث برز تراجع الجنيه الإسترليني كأحد أهم التداعيات المباشرة للأزمات الحالية. اليوم الإثنين، اتجه المستثمرون بقوة نحو الملاذات الآمنة، وعلى رأسها الدولار الأمريكي، متخلين عن عملات الدول الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف الطاقة. يأتي هذا التوجه في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، ولا سيما الاحتكاكات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي دفعت أسعار النفط للقفز نحو مستويات قياسية تقارب 120 دولاراً للبرميل، مما أثار مخاوف واسعة بشأن التضخم العالمي.
الجذور التاريخية لأزمات الطاقة وتقلبات الأسواق
لفهم المشهد الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. تاريخياً، ارتبطت أسعار الطاقة ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الجيوسياسي في مناطق الإنتاج الرئيسية. كلما تصاعدت التوترات، كما حدث في أزمات سابقة وصولاً إلى الصدمات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، شهدت الأسواق اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد. هذه الصدمات تؤدي تلقائياً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، مما يضعف الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد. بريطانيا، كغيرها من الدول الأوروبية، تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، مما يجعل عملتها المحلية شديدة الحساسية تجاه أي اضطرابات في إمدادات النفط والغاز العالمية.
أسباب تراجع الجنيه الإسترليني أمام الملاذات الآمنة
في أحدث التعاملات، سجل الجنيه الإسترليني انخفاضاً ملحوظاً بنسبة 0.81% ليصل إلى 1.331 دولار، متجهاً نحو تكبد أكبر خسارة يومية له في أكثر من شهر. هذا التراجع ليس وليد الصدفة، بل يعكس قلق الأسواق من التداعيات الاقتصادية. في المقابل، استفاد الدولار الأمريكي من مكانة الولايات المتحدة كواحدة من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، بالإضافة إلى دوره المهيمن في النظام المالي العالمي كملاذ آمن وقت الأزمات. وفي سياق متصل، ظل الجنيه شبه مستقر مقابل اليورو، الذي تراجع بدوره أمام الدولار، حيث استقر اليورو في أحدث التعاملات عند 86.63 بنس مقابل الجنيه.
التأثير المتوقع لقفزة أسعار النفط محلياً ودولياً
تكتسب هذه التطورات أهمية كبرى نظراً لتأثيرها المتوقع على مختلف الأصعدة. دولياً، قفزت أسعار النفط بأكثر من 25% لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ منتصف عام 2022، حيث لامس خام برنت القياسي 119.50 دولاراً للبرميل، وارتفع لاحقاً بنسبة 16% إلى 107.80 دولار. جاء ذلك بعد خفض كبار المنتجين في الخليج للإمدادات، واضطرابات الشحن التي أثارت قلق الأسواق. ولمواجهة ذلك، ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أن وزارات مالية مجموعة السبع تعتزم مناقشة الإفراج عن كميات من الاحتياطيات الاستراتيجية لتهدئة الأسواق. وحذرت سوزانا ستريتر، كبيرة استراتيجيي الاستثمار لدى “ويلث كلاب”، من أن هذه القفزة هي الأكبر منذ الجائحة، مما يجعل المستثمرين يستعدون لاحتمال حدوث أزمة تضخم.
تداعيات الأزمة على السندات والأسهم البريطانية
انعكست هذه الأزمات بوضوح على الأسواق المالية. فقد تراجعت السندات الحكومية البريطانية لليوم الثالث على التوالي، وقفزت عوائد السندات لأجل 10 سنوات بأكثر من 15 نقطة أساس إلى 4.776%، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر. كما بدأت الأسواق تسعر احتمالاً يتجاوز 50% لقيام بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري، في تحول حاد عن توقعات شهر فبراير التي أشارت إلى خفضين للفائدة. وفي أسواق الأسهم، تراجع مؤشر “فوتسي 100” بنسبة 1.5%، لكنه تفوق نسبياً على الأسهم الأوروبية التي هبطت بنحو 2%، بفضل الوزن الأكبر لشركات الطاقة. ويترقب المتداولون التكاليف المحتملة لدعم الحكومة لفواتير الطاقة، خاصة بعد تأكيد رئيس الوزراء كير ستارمر أن مساعدة المواطنين أولوية، علماً بأن الدعم الحكومي السابق خلال قفزة الأسعار في 2022-2023 قُدر بنحو 52 مليار جنيه إسترليني.


