شهدت الساحة الدولية مؤخراً تصعيداً دبلوماسياً غير مسبوق، حيث وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرات شديدة اللهجة لحلفائه الأوروبيين. وتصدرت تهديدات ترامب لإسبانيا المشهد السياسي، ملوحاً بقطع العلاقات التجارية بالكامل مع مدريد، وذلك على خلفية رفض الحكومة الإسبانية السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قواعدها العسكرية لشن هجمات ضد إيران. ولم تقتصر الانتقادات على إسبانيا فحسب، بل طالت المملكة المتحدة أيضاً، مما ينذر بأزمة عميقة داخل المعسكر الغربي.
خلفيات التوتر في العلاقات الأمريكية الأوروبية
لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي للعلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسبانيا. تعتمد واشنطن منذ عقود على قاعدتي “روتا” البحرية و”مورون” الجوية في جنوب إسبانيا كمنصات استراتيجية لعملياتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومع ذلك، فإن الحكومة الإسبانية الحالية برئاسة بيدرو سانشيز، الذي يُعد من أبرز القادة الأوروبيين تمسكاً باستقلالية القرار الأوروبي، ترفض الانخراط في نزاعات عسكرية لا تحظى بغطاء أممي واضح، وهو ما يتعارض مع نهج ترامب الأحادي.
وتأتي هذه التوترات في وقت يضغط فيه ترامب على دول حلف الناتو لزيادة إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مطلب تعتبره العديد من الدول الأوروبية، بما فيها إسبانيا، تعجيزياً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
أبعاد تهديدات ترامب لإسبانيا الاقتصادية
في تصريحات صحفية خلال لقائه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وصف ترامب الموقف الإسباني بـ”المريع”. ولم يكتفِ بالتصريحات، بل أعلن عن خطوات تنفيذية، مشيراً إلى أنه أصدر توجيهات لوزير الخزانة سكوت بيسنت بـ”قطع جميع التعاملات مع إسبانيا”. وقال ترامب بلهجة حادة: “بإمكاني غداً أو حتى اليوم، وقف كل ما له علاقة بإسبانيا، كل الأعمال التجارية، لدي الحق في أن أفعل ما أشاء بها”.
ورغم أن المحكمة العليا قد حدت سابقاً من استخدام صلاحيات الطوارئ لفرض رسوم جمركية تعسفية، إلا أن إصرار ترامب يثير مخاوف الأسواق العالمية من حرب تجارية قد تطال قطاعات حيوية مثل السيارات والمنتجات الزراعية.
الرد الإسباني: السيادة أولاً
لم تتأخر الحكومة الإسبانية في الرد، مؤكدة أن العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة هي علاقة “متبادلة المنفعة”. وشددت مدريد على أن أي مراجعة لهذه العلاقات يجب أن تتم في إطار احترام القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية بين واشنطن والاتحاد الأوروبي. وأكد سانشيز في تصريحاته أن بلاده تمتلك الموارد اللازمة لتنويع سلاسل التوريد واحتواء أي آثار اقتصادية محتملة، داعياً في الوقت نفسه إلى الحوار لإنهاء الحرب بدلاً من التصعيد العسكري.
فتور العلاقات مع الحليف البريطاني
لم تكن بريطانيا بمنأى عن غضب ترامب، رغم كونها الحليف التقليدي الأوثق لواشنطن. فقد انتقد الرئيس الأمريكي رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، قائلاً: “أنا غير راضٍ عن المملكة المتحدة، هذا الذي نتعامل معه ليس ونستون تشرشل”.
وجاء هذا الانتقاد بعد رفض لندن استخدام القواعد البريطانية في قبرص لشن هجمات مباشرة، رغم سماحها باستخدام محدود لقاعدة “دييغو غارسيا” في المحيط الهندي لأغراض دفاعية بحتة. كما سخر ترامب من قرار الحكومة البريطانية إعادة جزر تشاغوس إلى موريشيوس، واصفاً الجزيرة التي تضم القاعدة العسكرية بـ”الغبية”، ومعتبراً أن بريطانيا كانت “غير متعاونة للغاية”.
تداعيات الانقسام الغربي على المشهد الدولي
يحمل هذا الخلاف دلالات خطيرة تتجاوز العلاقات الثنائية؛ فهو يؤشر إلى تصدع محتمل في وحدة حلف الناتو وتماسك المعسكر الغربي في مواجهة التحديات الجيوسياسية. إن تهديدات ترامب لإسبانيا وانتقاده لبريطانيا قد تدفع الدول الأوروبية نحو تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية بعيداً عن المظلة الأمريكية، مما قد يعيد تشكيل التحالفات الدولية في السنوات المقبلة. كما أن تلويح واشنطن باستخدام الاقتصاد كسلاح ضد الحلفاء قد يزعزع الثقة في النظام التجاري العالمي ويشجع تكتلات اقتصادية بديلة.


