أوضحت الجمعية الفلكية بجدة، على لسان رئيسها المهندس ماجد أبوزاهرة، أن الأسابيع المحيطة بموعدي الاعتدالين الربيعي والخريفي تُصنف كواحدة من أفضل فترات العام لمحبي وهواة رصد الشفق القطبي. ويأتي هذا التوقيت المميز نتيجة لزيادة ملحوظة في فاعلية التفاعل بين الرياح الشمسية والغلاف المغناطيسي للأرض، مما يخلق ظروفاً مثالية لظهور الأضواء الشمالية الخلابة.
سر توقيت الشفق القطبي وتأثير «راسل-ماكفيرون»
أرجع المهندس أبوزاهرة السبب العلمي وراء هذا النشاط المكثف إلى ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم تأثير «راسل-ماكفيرون». ترتبط هذه الظاهرة بشكل مباشر بميل محور الأرض بالنسبة للشمس خلال فترة الاعتدالين، حيث تتهيأ ظروف مغناطيسية فريدة تسمح بفتح ثغرات أو شقوق في الدرع المغناطيسي للأرض. هذه الشقوق تعمل كبوابات عبور تسمح للرياح الشمسية بالتدفق بكفاءة أعلى نحو الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى تكثيف النشاط الجيومغناطيسي وزيادة فرص رؤية الشفق القطبي حتى في مناطق قد لا يظهر فيها عادةً.
ما وراء الجمال البصري: تأثيرات الطقس الفضائي
لا تقتصر أهمية متابعة هذه الظواهر على الاستمتاع بالمشهد البصري للأضواء الراقصة فحسب، بل تمتد لتشمل فهم «الطقس الفضائي» وتأثيراته التكنولوجية والاقتصادية. فالعواصف الجيومغناطيسية التي تسبب الشفق القطبي قد تؤثر بشكل مباشر على شبكات الطاقة الكهربائية، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS)، والاتصالات اللاسلكية. لذا، فإن رصد هذه الفترات النشطة خلال الاعتدالين يحظى باهتمام عالمي من قبل وكالات الفضاء وشركات التكنولوجيا لحماية البنية التحتية الحيوية من أي اضطرابات محتملة ناتجة عن النشاط الشمسي المتزايد.
فيزياء الألوان وتفاعل الغلاف الجوي
ينتج الشفق القطبي عن اصطدام الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس (البلازما) بذرات الغازات في الطبقات العليا للغلاف الجوي للأرض. وتختلف ألوان الشفق باختلاف نوع الغاز والارتفاع؛ فاللون الأخضر الأكثر شيوعاً ينتج عن ذرات الأكسجين على ارتفاعات منخفضة نسبياً، بينما يظهر اللون الأحمر من الأكسجين في الارتفاعات العالية، وتنتج الألوان الزرقاء والبنفسجية عن النيتروجين. ورغم الطاقة الهائلة التي تحملها هذه الجسيمات، فإن الغلاف المغناطيسي للأرض يوفر درعاً واقياً يحمي الحياة على السطح، محولاً هذا الهجوم الشمسي إلى لوحة فنية بديعة.
إحصائيات تاريخية وتوقعات مستقبلية
أشارت البيانات التاريخية والدراسات طويلة المدى، بما في ذلك دراسة استمرت لمدة 75 عاماً، إلى أن شهر مارس (وقت الاعتدال الربيعي) يتصدر قائمة الأشهر الأكثر نشاطاً جيومغناطيسياً، يليه شهر سبتمبر (الاعتدال الخريفي). ومع اقتراب الاعتدال الربيعي لعام 2026، يتوقع العلماء نشاطاً شمسياً متزايداً قد يوفر عروضاً استثنائية لسكان المناطق القطبية وما حولها، مما يعزز من سياحة الفلك ويجذب المصورين من كافة أنحاء العالم لتوثيق هذه الظاهرة الكونية الفريدة التي تؤكد كروية الأرض وطبيعة غلافها المغناطيسي.


