شهدت الأسواق العالمية حالة من الاضطراب الشديد مع بداية تعاملات الأسبوع، حيث سجلت أسعار النفط قفزة نوعية تزامنت مع صعود قوي للدولار الأمريكي وتراجع حاد في مؤشرات الأسهم العالمية. يأتي هذا التحرك العنيف في الأسواق استجابةً للمخاوف المتزايدة من اتساع رقعة الصراع العسكري في الشرق الأوسط، وسط ترجيحات باستمرار العمليات العسكرية لأسابيع قادمة، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد لمدى صلابته في مواجهة الصدمات الجيوسياسية.
تداعيات الصراع على أسعار النفط ومضيق هرمز
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة قاربت 10% لتصل إلى مستويات 79.90 دولاراً للبرميل، بعد أن كسرت حاجز 82 دولاراً لفترة وجيزة، بينما صعد الخام الأمريكي بنسبة 8.2% ليلامس 72.64 دولاراً. وتتوجه أنظار العالم بقلق بالغ نحو مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، وقرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
تاريخياً، لطالما ارتبطت أزمات الشرق الأوسط بارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة، حيث يُعد أمن الملاحة في هذا الممر المائي ركيزة أساسية لاستقرار الإمدادات العالمية. ورغم عدم إغلاق الممر حتى الآن، إلا أن بيانات تتبع السفن أظهرت تكدساً للناقلات، مما يعكس مخاوف شركات الشحن من الاستهداف أو ارتفاع تكاليف التأمين، وهو ما قد يؤدي إلى تعطل سلاسل الإمداد ورفع تكلفة الشحن عالمياً.
الأسواق المالية تحت ضغط المخاوف التضخمية
لم تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة فحسب، بل امتدت لتشمل أسواق الأسهم التي تكبدت خسائر واسعة. فقد تراجع مؤشر "ستوكس 600" الأوروبي بنسبة 1.7%، وهبطت العقود الآجلة لمؤشر "S&P 500" بنحو 1.5%. يخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية التي بدأت البنوك المركزية للتو في السيطرة عليها.
هذا السيناريو يضع الاقتصاد العالمي في مأزق؛ فارتفاع تكاليف الطاقة يزيد من أعباء الإنتاج والنقل، مما قد يجبر الشركات على تمرير هذه التكاليف للمستهلكين، وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم مجدداً. هذا الأمر قد يدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى التمهل في قرارات خفض الفائدة، أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول، مما يزيد من مخاطر الركود الاقتصادي.
أداء القطاعات: الطاقة والدفاع في الصدارة
في ظل هذه الاضطرابات، تباين أداء القطاعات بشكل واضح. فبينما قادت أسهم البنوك وشركات الطيران الخسائر في أوروبا وآسيا بسبب المخاوف من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الوقود، حلقت أسهم شركات الطاقة والدفاع عالياً. سجلت أسهم شركات النفط الكبرى مثل "بي بي" و"شل" مكاسب بنحو 6%، كما انتعشت أسهم شركات الدفاع الأوروبية، مستفيدة من التوقعات بزيادة الإنفاق العسكري عالمياً.
الدولار والسندات: الملاذات الآمنة وتوقعات الفيدرالي
على صعيد العملات، استعاد الدولار الأمريكي بريقه كملاذ آمن، مسجلاً ارتفاعات ملحوظة أمام سلة من العملات الرئيسية، بما في ذلك الين الياباني والفرنك السويسري. وفي سوق السندات، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات لتقترب من 4%، مدفوعة بتوقعات الأسواق بأن الفيدرالي قد يضطر لتأجيل خفض الفائدة لمواجهة أي موجة تضخمية محتملة ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.


