في تاريخ كرة القدم، هناك أسماء ترتبط بالضجيج والصخب، وأخرى يخلّدها التاريخ لهدوئها وثباتها الذي يصنع الفارق. ينتمي الحارس الأسطوري عبدالله الدعيع إلى الفئة الثانية، فهو لم يكن مجرد حارس مرمى، بل كان صمام أمان وذاكرة هادئة لمرمى المنتخب السعودي وناديي الطائي والهلال، تاركاً خلفه إرثاً من الطمأنينة والإنجازات.
السياق التاريخي: بزوغ فجر الكرة السعودية
وُلد عبدالله عبدالعزيز الدعيع، الملقب بـ “أبو فواز”، عام 1961 في مدينة حائل، وهي بيئة اشتهرت بالصلابة والهدوء، وهما سمتان طبعتا أسلوبه في الملعب. بدأت مسيرته في وقت كانت فيه كرة القدم السعودية تخطو خطواتها الأولى نحو المجد القاري. كانت فترة الثمانينيات هي العصر الذهبي الذي شهد صعود “الأخضر” كقوة كروية لا يستهان بها في آسيا، وكان الدعيع أحد الأعمدة الرئيسية التي بُني عليها هذا الصعود. في زمن كانت فيه حراسة المرمى تعتمد على ردود الفعل السريعة، أعاد الدعيع تعريف هذا المركز ليجعله فناً يعتمد على الذكاء والتمركز الصحيح وقراءة اللعب قبل وصول الكرة.
مسيرة حافلة: من فارس الشمال إلى زعيم آسيا
بدأ الدعيع مسيرته مع نادي الطائي، حيث قضى أربعة عشر عاماً من الوفاء، لم يكن فيها مجرد لاعب عابر، بل أصبح رمزاً للنادي وأسطورته الأولى. هناك، في حائل، تشكلت ملامح “الأخطبوط الأول”، الحارس الذي يصعب اختراقه والذي جعل من مرماه مساحة آمنة. كان عقلاً يقف بين القائمين، يقرأ تحركات المهاجمين ويختصر الفوضى بنظرة ثاقبة وثبات انفعالي فريد.
على الصعيد الدولي، كتب عبدالله الدعيع سطوراً من ذهب مع المنتخب السعودي. كان الحارس الأمين في رحلة الفوز بكأس آسيا للمرة الأولى في تاريخ المملكة عام 1984 في سنغافورة، حيث لم يكتفِ بالتتويج الجماعي، بل تُوّج بجائزة أفضل حارس في البطولة، معلناً عن نفسه سيداً لحراس القارة. عاد ليكرر الإنجاز ذاته في نسخة 1988 في قطر، محافظاً على اللقب القاري ومثبتاً أن التفوق لم يكن صدفة، بل نتاج موهبة وعمل دؤوب. كانت بصمته واضحة في ركلات الترجيح الحاسمة، حيث كان اسمه يبعث الثقة في نفوس زملائه والرعب في قلوب المنافسين.
الأهمية والتأثير: إرث يمتد عبر الأجيال
في منتصف التسعينيات، انتقل الدعيع إلى نادي الهلال في صفقة تاريخية، ليضيف فصلاً جديداً من النجاحات إلى مسيرته. خلال فترة قصيرة (1993–1997)، حصد مع “الزعيم” سبع بطولات محلية وقارية وعربية، مؤكداً أن الخبرة عندما تُمزج مع فريق كبير، تتحول حتماً إلى ألقاب. لم يتغير أسلوبه ولم يتخلَّ عن هدوئه، بل ظل كما هو: حاضراً ذهنياً، حاسماً عند الحاجة، وقائداً ببصمته الصامتة.
إن أعظم ما تركه عبدالله الدعيع ليس فقط سجله الحافل بالبطولات، بل الإرث الذي مهّد الطريق لجيل جديد. كان هو الأصل والمدرسة التي تخرج منها شقيقه الأصغر، الأسطورة محمد الدعيع. لم يتنافس الأخوان في المجد، بل تكاملا في الذاكرة، ليشكلان معاً فصلاً نادراً في تاريخ حراسة المرمى السعودية والآسيوية. اليوم، عندما نستعيد مسيرة “أبو فواز”، فإننا لا نفعل ذلك من باب الحنين فقط، بل من باب الاعتراف بأن بعض الأسماء لا تُقاس بعدد المباريات، بل بوزن اللحظات التي صنعتها، وعبدالله الدعيع هو أحد أولئك الذين جعلوا من المرمى مكاناً للثقة لا للقلق.


