تشهد بطولة دوري أبطال أوروبا في السنوات الأخيرة ظاهرة متنامية تؤكد تحول موازين القوى في كرة القدم القارية، وهي الهيمنة الواضحة لأندية الدوري الإنجليزي الممتاز. لم يعد الأمر مجرد مشاركة قوية، بل تحول إلى حضور طاغٍ في الأدوار الإقصائية، كما يتجلى في بعض المواسم التي شهدت تأهل عدد قياسي من الفرق الإنجليزية إلى دور الستة عشر، مما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التفوق وتأثيره على مستقبل اللعبة.
السياق التاريخي: من الهيمنة اللاتينية إلى المد الإنجليزي
تاريخيًا، سيطرت أندية من إسبانيا وإيطاليا على لقب دوري أبطال أوروبا لعقود طويلة. أسماء مثل ريال مدريد، برشلونة، إيه سي ميلان، ويوفنتوس كانت تمثل القوى التقليدية التي يصعب مجاراتها. ورغم فترات نجاح متقطعة للأندية الإنجليزية، مثل هيمنة ليفربول في السبعينيات والثمانينيات، إلا أن الحضور الجماعي القوي في الأدوار المتقدمة هو سمة حديثة العهد. يمكن اعتبار نهائي عام 2008 بين مانشستر يونايتد وتشيلسي بمثابة الشرارة الأولى لهذا التحول، لكن نهائيات 2019 (ليفربول ضد توتنهام) و2021 (تشيلسي ضد مانشستر سيتي) رسخت حقيقة أن الدوري الإنجليزي أصبح القوة المهيمنة في أوروبا.
القوة المالية: المحرك الرئيسي للتفوق
يكمن السبب الجذري لهذا التفوق في القوة المالية الهائلة التي يتمتع بها الدوري الإنجليزي. فبفضل عقود البث التلفزيوني الضخمة محليًا وعالميًا، اتسعت الفجوة المالية بين أندية “البريميرليغ” وبقية أندية أوروبا بشكل كبير. وأظهر تقرير للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) أن عائدات البث لأندية الدوري الإنجليزي ارتفعت بمقدار 1.77 مليار دولار بين عامي 2014 و2024، وهو رقم يقترب من إجمالي الزيادة لكل دوريات أوروبا الـ53 الأخرى مجتمعة (1.89 مليار دولار). هذا التدفق المالي يسمح للأندية الإنجليزية بجذب أفضل اللاعبين والمدربين في العالم، وبناء تشكيلات عميقة تستطيع المنافسة على عدة جبهات، وهو ما يمنحها أفضلية واضحة على منافسيها الذين يعانون للحفاظ على نجومهم.
التأثير على أرض الملعب
تترجم هذه القوة المالية إلى تفوق ملموس على أرض الملعب. فبينما كانت شدة المنافسة في الدوري الإنجليزي تُعتبر سابقًا عاملاً مرهقًا يستنزف الفرق قبل المواجهات الأوروبية، أصبحت الآن ميزة تنافسية. فالإيقاع السريع والضغط العالي والالتحامات البدنية القوية التي تميز “البريميرليغ” تجعل فرقه أكثر جاهزية للمواجهات الإقصائية الصعبة. وهو ما أشار إليه مدربون منافسون، مؤكدين أن الفرق الإنجليزية تلعب بـ”شدة وسرعة ومهارة” تفوق ما اعتادوا عليه في دورياتهم المحلية، حيث يتمتع كبار الأندية غالبًا بأريحية أكبر.
انعكاسات الهيمنة على كرة القدم الأوروبية
لهذه الهيمنة تأثيرات عميقة على المشهد الكروي الأوروبي. فعلى الصعيد المحلي، تعزز هذه النجاحات من مكانة الدوري الإنجليزي كأفضل وأقوى دوري في العالم. أما على الصعيد القاري، فهي تثير مخاوف جدية بشأن توازن المنافسة، حيث تجد الأندية الكبرى في إسبانيا وألمانيا وإيطاليا صعوبة متزايدة في مجاراة القوة الشرائية الإنجليزية. هذا الوضع يضع ضغطًا على “يويفا” لتطبيق لوائح اللعب المالي النظيف بصرامة أكبر، ويجبر الأندية الأخرى على البحث عن استراتيجيات بديلة للمنافسة، مثل الاعتماد على أكاديميات الشباب أو شبكات الكشافة المبتكرة.


