سجل حجم الديون العالمية مستوى قياسياً جديداً في نهاية عام 2023، حيث وصل إلى 313 تريليون دولار، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن معهد التمويل الدولي (IIF). يمثل هذا الرقم زيادة هائلة بأكثر من 15 تريليون دولار خلال عام واحد، مما يعكس استمرار وتيرة الاستدانة المتسارعة التي بدأت منذ ذروة جائحة كورونا، ويثير تساؤلات عميقة حول استدامة النظام المالي العالمي وقدرة الدول على مواجهة التحديات الاقتصادية المستقبلية.
السياق التاريخي: كيف وصلنا إلى هنا؟
لم يأتِ هذا الارتفاع من فراغ، بل هو نتاج تراكمي لعدة أزمات وسياسات اقتصادية على مدى العقدين الماضيين. بدايةً من الأزمة المالية العالمية في 2008 التي دفعت الحكومات والبنوك المركزية إلى ضخ سيولة هائلة وخفض أسعار الفائدة إلى مستويات صفرية لتحفيز الاقتصاد، مما جعل الاقتراض رخيصاً ومغرياً. ثم جاءت جائحة كوفيد-19 في عام 2020، والتي استدعت حزم دعم مالي ضخمة من الحكومات لحماية الأسر والشركات من تداعيات الإغلاق الاقتصادي، مما أدى إلى قفزة غير مسبوقة في الديون الحكومية.
من هم المحركون الرئيسيون لهذا الارتفاع؟
أشار تقرير معهد التمويل الدولي إلى أن الحكومات في الاقتصادات المتقدمة كانت المحرك الرئيسي لهذا النمو في الديون. وقد استحوذت الولايات المتحدة والصين ومنطقة اليورو على الحصة الأكبر من هذه الزيادة، حيث شكلت ديونها مجتمعة أكثر من 75% من إجمالي الديون الجديدة. يعود ذلك إلى استمرار العجز في الميزانيات وارتفاع الإنفاق العام لمواجهة التباطؤ الاقتصادي والتحديات الجيوسياسية.
على صعيد القطاعات، لم يقتصر الأمر على الحكومات، بل شمل أيضاً الشركات غير المالية والأسر التي زادت من اقتراضها في بيئة الفائدة المنخفضة سابقاً. ومع ذلك، فإن دورة التشديد النقدي التي بدأتها البنوك المركزية العالمية لكبح التضخم قد غيرت المشهد، حيث أصبحت تكلفة خدمة هذه الديون عبئاً متزايداً.
التأثير المتوقع: تحديات متباينة بين الاقتصادات
تظهر البيانات تبايناً واضحاً في نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بين الدول. ففي الاقتصادات المتقدمة، انخفضت النسبة بشكل طفيف لتصل إلى حوالي 330%، مدفوعة بنمو اقتصادي أقوى نسبياً. لكن الصورة تبدو أكثر قتامة في الأسواق الناشئة، حيث واصلت نسبة الدين ارتفاعها لتسجل مستوى قياسياً جديداً تجاوز 255%.
هذا الارتفاع في الأسواق الناشئة يمثل خطراً كبيراً، حيث تواجه هذه الدول تحديات متعددة تشمل ضعف عملاتها المحلية مقابل الدولار، وارتفاع تكاليف إعادة تمويل الديون المستحقة. ويقدر معهد التمويل الدولي أن الأسواق الناشئة تواجه ما يسمى بـ “جدار إعادة التمويل”، حيث يتعين عليها سداد أو تجديد ديون بمليارات الدولارات في السنوات القليلة القادمة في بيئة فائدة مرتفعة، مما يضع ضغوطاً هائلة على ميزانياتها وقد يعرض بعضها لخطر التخلف عن السداد.
نظرة مستقبلية: بين النمو الحذر ومخاطر الديون
يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً عالمياً حذراً بنسبة 3.1% في عام 2024 و 3.2% في 2025. ومع ذلك، فإن جبل الديون الهائل قد يقوض هذا النمو، حيث تضطر الحكومات إلى تخصيص جزء أكبر من إيراداتها لخدمة الديون بدلاً من الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة. إن إدارة هذا المستوى غير المسبوق من الديون ستكون أكبر تحدٍ يواجه صانعي السياسات على الصعيدين المحلي والدولي في العقد الحالي.


