سجلت منطقة جدة التاريخية، المعروفة بـ “البلد”، رقماً قياسياً استثنائياً مع انقضاء الأسبوع الأول من شهر رمضان المبارك، حيث تجاوز عدد زوارها حاجز المليون زائر من المواطنين والمقيمين والسياح. يعكس هذا الإقبال الكبير المكانة المتنامية للمنطقة كوجهة رمضانية رئيسية في المملكة، تجمع بين عبق التاريخ وروحانية الشهر الفضيل وحيوية الفعاليات الثقافية.
خلفية تاريخية عريقة لجوهرة البحر الأحمر
تعتبر جدة التاريخية شاهداً حياً على قرون من الزمن، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن السابع الميلادي كبوابة بحرية رئيسية لمكة المكرمة، استقبلت عبرها أفواج الحجاج والمعتمرين القادمين من مختلف أنحاء العالم. وفي عام 2014، تُوجت هذه الأهمية التاريخية بإدراج المنطقة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، اعترافاً بقيمتها العالمية الاستثنائية. تتميز “البلد” بطرازها المعماري الفريد، حيث شُيدت مبانيها الشاهقة من الحجر المنقبي المستخرج من البحر الأحمر، وزُينت واجهاتها بالرواشين الخشبية المزخرفة التي لا تزال تروي قصص الماضي العريق وتوفر الظل والبرودة في أزقتها الضيقة.
تجربة رمضانية متكاملة في قلب “البلد”
تحولت ساحات وأزقة جدة التاريخية خلال رمضان إلى مسرح مفتوح يضج بالحياة. وقد نجحت روزنامة الفعاليات المتنوعة في إحياء الموروث الحجازي الأصيل. وشملت البرامج إعادة الحياة إلى الأسواق التقليدية مثل “سوق العلوي” و”سوق باب مكة”، وتفعيل “البسطات” الرمضانية التي قدمت أشهى المأكولات الشعبية والمشروبات التقليدية، إلى جانب العروض التفاعلية والفنون الأدائية التي جسدت تفاصيل الحياة الاجتماعية القديمة. كما فتحت البيوت والمتاحف التاريخية أبوابها للزوار، مثل “بيت نصيف” و”بيت زينل”، لتقدم معارض معرفية تسرد تطور جدة كميناء تجاري حيوي وبوابة للحرمين الشريفين.
الأهمية والأثر: أبعد من مجرد أرقام
لا يقتصر نجاح موسم رمضان في جدة التاريخية على الأرقام المليونية، بل يمتد تأثيره ليعزز عدة جوانب حيوية. فعلى الصعيد المحلي، يساهم هذا الحراك في تنشيط الدورة الاقتصادية بدعم رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة والحرفيين، ويجدد الشعور بالفخر بالهوية الثقافية لدى سكان المدينة. وعلى المستوى الوطني، ينسجم هذا النجاح بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تهدف إلى تطوير قطاعي السياحة والثقافة، والحفاظ على التراث الوطني، وجعل المملكة وجهة سياحية عالمية. أما دولياً، فإن الإدارة الناجحة لهذا الموقع التراثي العالمي واستقطابه لهذه الحشود الضخمة يعزز صورة المملكة كدولة تهتم بتراثها الإنساني وتقدمه للعالم بأسلوب معاصر وجذاب.
تنظيم احترافي يضمن تجربة سلسة
كان التنظيم الدقيق وإدارة الحشود عاملاً حاسماً في استيعاب هذا التدفق الكبير من الزوار. فقد أسهم تخصيص مسارات واضحة للدخول والخروج عبر المداخل الرئيسية، وتوفير مواقف منظمة، وإطلاق دليل رقمي متكامل، في ضمان تجربة آمنة ومريحة لمختلف الفئات العمرية. ويؤكد هذا النجاح التنظيمي على القدرة على استضافة فعاليات كبرى مع الحفاظ على سلامة الزوار والطابع التراثي للمكان.


