في عالم كرة القدم، الطريق إلى القمة شاق، لكن الحفاظ عليها هو التحدي الأصعب. هذا هو المشهد الذي يواجهه نادي الهلال السعودي، “الزعيم” المتوج على عرش الكرة السعودية والآسيوية. فعلى الرغم من سلسلة الانتصارات التاريخية والأداء الذي يبدو مهيمناً تحت قيادة المدرب البرتغالي خورخي جيسوس، بدأت بعض المباريات، مثل التعادل مع التعاون في وقت سابق من الموسم، تكشف عن تساؤلات فنية وتصدعات محتملة في المنظومة الزرقاء التي اعتادت على قهر منافسيها محلياً وقارياً.
خلفية من الهيمنة وتوقعات بحجم السماء
يمتلك الهلال تاريخاً عريقاً من البطولات، فهو النادي الأكثر تتويجاً بلقب الدوري السعودي ودوري أبطال آسيا، مما يضع على عاتق أي فريق يرتدي قميصه ضغطاً هائلاً. ومع التحول الكبير الذي شهده دوري روشن السعودي باستقطاب نجوم عالميين، تضاعفت التوقعات. لم يعد الفوز المحلي كافياً، بل أصبح الأداء المقنع والهيمنة المطلقة هما المقياس الذي يُحاكم به الفريق جماهيرياً وإعلامياً. في هذا السياق، يتم تحليل كل مباراة وتشريح كل قرار فني، بحثاً عن أي ثغرة قد تهدد مسيرة الفريق نحو المجد.
قراءة فنية في أداء “الزعيم”: 5 ملاحظات رئيسية
بعيداً عن لغة الأرقام والانتصارات المتتالية، يمكن رصد بعض الملاحظات الفنية التي تقف خلف التراجع النسبي في الأداء خلال بعض الفترات الصعبة:
1. براعة بونو: هل تخفي ضعفاً دفاعياً؟
أصبح الحارس المغربي ياسين بونو أحد أهم أعمدة الفريق، بل وخط الأمان الأخير في كل مباراة. تألقه اللافت وتصدياته الحاسمة أنقذت الفريق في مناسبات عديدة، لكن هذا الاعتماد المفرط عليه يعكس خللاً في المنظومة الدفاعية. عندما يتحول حارس المرمى إلى نجم المباراة بشكل متكرر، فهذا مؤشر على أن الفريق يسمح للمنافسين بالوصول إلى مرماه وصناعة فرص خطيرة أكثر مما ينبغي، وهو ما قد يكون مكلفاً أمام فرق تملك جودة هجومية عالية في المراحل المتقدمة من البطولات القارية.
2. الهوية التكتيكية: بين النهج الثابت وفقدان التنوع
فرض خورخي جيسوس هوية واضحة على الفريق، تعتمد على الضغط العالي، الاستحواذ، واللعب الهجومي الشرس. هذا الأسلوب كان فعالاً للغاية، لكن مع مرور الوقت، بدأت الفرق المنافسة تجد طرقاً للتكيف معه. الإيقاع البطيء أحياناً، والتحركات التي تفتقر للتنوع، والاعتماد على حلول متوقعة جعل الفريق أكثر قابلية للاحتواء، خاصة من قبل الفرق التي تجيد التكتل الدفاعي وتنتظر أخطاء “الأزرق” لشن هجمات مرتدة سريعة.
3. بطء التحولات وفقدان عنصر المفاجأة
أحد أبرز ملامح الأزمة الفنية المؤقتة يتمثل في بطء التحول من الدفاع إلى الهجوم. أمام فرق تعتمد التكتل الدفاعي، يحتاج الهلال إلى سرعة في نقل الكرة وتحريك الخطوط لخلخلة دفاعات الخصم. لكن ما يحدث في بعض الأحيان هو تدوير بطيء للكرة يمنح المنافس الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه وإغلاق المنافذ. العرضيات المتكررة دون تنويع، وقلة الاختراقات المباشرة من العمق، أفقدت الفريق عنصر المفاجأة الذي كان يميزه كأحد أقوى خطوط الهجوم في القارة.
4. تراجع “شخصية +90” القاتلة
لطالما عُرف الهلال بروحه القتالية حتى اللحظة الأخيرة، تلك الشخصية التي أُطلق عليها “روح +90″، والتي مكنته من قلب النتائج في الدقائق الحاسمة. غير أن بعض المباريات أظهرت تراجعاً في هذه الشراسة الذهنية، وكأن الفريق يفقد جزءاً من تركيزه وزخمه عندما لا تسير الأمور كما يخطط لها. هذا التراجع في الحضور الذهني في اللحظات المصيرية قد يكون ناتجاً عن الإرهاق أو الثقة المفرطة، لكنه يبقى مؤشراً مقلقاً.
5. جمود تكتيكي يثير قلق الجماهير
الأزمة الأعمق تكمن في القراءة الفنية للمباريات من قبل الجهاز الفني أحياناً. بدا جيسوس في بعض اللقاءات متردداً في إجراء التبديلات أو تغيير النهج خلال المواجهات الصعبة. التأخر في إشراك عناصر جديدة قادرة على تغيير إيقاع اللعب، والتمسك بقوالب تكتيكية ثابتة حتى عندما تكون غير فعالة، جعلا الفريق يبدو ككتاب مفتوح يمكن فك شفرته بسهولة، وهو أمر لم يكن مألوفاً في سنوات الهيمنة.
التأثير المتوقع: تحديات على ثلاث جبهات
أي تذبذب في مستوى الهلال لن يقتصر تأثيره على المنافسة المحلية في دوري روشن وكأس الملك، بل يمتد إلى طموحاته القارية في دوري أبطال آسيا. ففي ظل المنافسة الشرسة إقليمياً، لم يعد هناك مجال للأخطاء. الحفاظ على الاستقرار الفني والذهني هو مفتاح مواصلة السيطرة وتلبية طموحات الجماهير التي لا ترضى بغير الذهب. السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يستعيد “الزعيم” كامل شخصيته سريعاً ويصحح المسار، أم أن ما يحدث هو بداية مرحلة تتطلب مراجعة شاملة لضمان بقاء الهلال في القمة التي اعتاد عليها؟


