تواجه صناعة تعدين البيتكوين واحدة من أصعب فتراتها على الإطلاق، حيث تجد الشركات نفسها محاصرة بين مطرقة انهيار أسعار العملات المشفرة وسندان ارتفاع تكاليف التشغيل، مما يدفع العديد منها إلى حافة الإفلاس. وتأتي هذه الأزمة في أعقاب تراجع حاد في قيمة البيتكوين، التي هوت إلى مستوى 63,221 دولاراً، مسجلة انخفاضاً بنسبة 27% خلال شهر واحد فقط، وبنسبة 6.4% في أسبوع، وفقاً لبيانات “يونهاب إنفوماكس”. هذا التدهور السعري لم يكن العامل الوحيد، بل تزامن مع تحديات هيكلية عميقة تهدد نموذج الربحية لقطاع بأكمله.
السياق العام: تأثير حدث “التنصيف”
تأتي هذه الضغوطات المالية في أعقاب حدث “تنصيف البيتكوين” (Bitcoin Halving) الذي وقع في أبريل 2024. تاريخياً، يُعد هذا الحدث، الذي يقلل مكافأة تعدين كل كتلة إلى النصف، عاملاً رئيسياً في زيادة ندرة البيتكوين ودفع سعرها للارتفاع على المدى الطويل. ولكن على المدى القصير، فإنه يضاعف تكلفة الإنتاج فعلياً على المعدّنين. فبين عشية وضحاها، انخفضت إيراداتهم من المكافآت بنسبة 50%، بينما ظلت تكاليفهم الثابتة، وعلى رأسها فواتير الكهرباء الباهظة، كما هي. هذا الواقع الجديد وضع الشركات التي تعمل بهوامش ربح ضيقة تحت ضغط هائل، وجعل عملياتها غير مربحة ما لم يرتفع سعر البيتكوين بشكل كبير لتعويض الفارق.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
إن الأزمة الحالية لها تداعيات تتجاوز مجرد الخسائر المالية لشركات التعدين. على الصعيد الدولي، قد يؤدي إفلاس عدد كبير من المعدّنين إلى تغيير في خريطة القوى داخل شبكة البيتكوين. فخروج اللاعبين الصغار ومتوسطي الحجم من السوق يمكن أن يؤدي إلى زيادة مركزية التعدين في أيدي قلة من الشركات العملاقة القادرة على تحمل التكاليف، وهو ما يتعارض مع مبدأ اللامركزية الذي تقوم عليه العملة المشفرة. كما أن هذا الوضع يؤثر سلباً على ثقة المستثمرين في النظام البيئي للعملات المشفرة ككل.
داخلياً، كشف تقرير صادر عن شركة “روزنبلات” للأوراق المالية أن العائد من عمليات تعدين العملات المشفرة قد انخفض إلى أقل من 3 سنتات، متراجعاً بنحو 30% خلال ثلاثة أشهر فقط. ووصف المحلل كريس بريندر الوضع بأن “اقتصاديات تعدين البيتكوين تدهورت من سيئ إلى أسوأ”. هذا الأداء السلبي انعكس بوضوح على أسواق الأسهم، حيث تراجعت أسهم شركات كبرى مثل Bitmine Immersion Technologies بنسبة 29% منذ بداية العام، وهبط سهم MARA Holdings بنسبة 13%.
استراتيجيات البقاء والتكيف
في مواجهة هذا الواقع القاتم، بدأت بعض الشركات في البحث عن سبل للنجاة عبر تنويع مصادر دخلها. فقد اتجهت شركات مثل Cipher Mining و TeraWulf إلى استغلال بنيتها التحتية الهائلة من مراكز البيانات وقدرتها على الوصول إلى مصادر طاقة رخيصة لتقديم خدمات في مجالات واعدة أخرى مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء. يمثل هذا التحول محاولة استراتيجية لتعويض تراجع أرباح التعدين التقليدي، وقد يرسم ملامح مستقبل هذه الصناعة، حيث لم يعد الاعتماد على تقلبات أسعار البيتكوين وحدها نموذج عمل مستداماً.


